إطلالة

أطياف: صباح محمد الحسن

طيف أول:
صالَ به وهمٌ واجف،
أقسم أن الفقاعة ستواري الشمس،
وثمّة قيدٌ قد تمرّد
على مدن الحظّ الغاضبة،
يرسم انتفاضة الحياة.
ولا شكّ أن عين المتابع للمواقف السياسية لدول الإقليم تلتقط تحوّلًا حقيقيًا في مشهد الوساطة حول السودان. هذا يكشف ملامحَ برزت في الأيام الأخيرة تبين دور الدول والمنظمات الإفريقية، الأمر الذي يإخذ التفكير إلى مربع سؤال:
هل ظهور الإيغاد والاتحاد الإفريقي، مع حضور واضح لدول إفريقية على المشهد، يعني تراجعًا عربيًا؟ أم أنه يعكس فراغًا سياسيًا واختلافًا في أولويات الفاعلين؟
فالمتابع يرى أن مصر تراجعت عن الخطّ الأمامي لإثبات نفسها كفاعل أساسي في الحل. وكنا قد تحدثنا من قبل عن أن دور بريطانيا قد يخصم من ثقل النفوذ لكلٍّ من مصر والسعودية على مسرح الحل . فالدولتان، بعد أن برز نجمهما في الشهر الماضي بقوة، خيّم عليهما الصمت وخفّت حركتهما نحو بوابات الحل. وهذا يعود لسببين:
أولهما فشل البرهان في تنفيذ خطته للقضاء على الإسلاميين،
والثاني تمسّك الولايات المتحدة بالحل المطروح وعدم السماح بتبديله أو تفصيله على مقاس البرهان، وهو ما يعني أن محاولات نسف الرباعية لا تعني المساس بورقة الحل، الأمر الذي يقتل الرغبة في هزيمتها.
لكن هذا التراجع منح فرصة قوية للقادة الأفارقة لاستعادة روحهم المعنوية والتقدّم. وأسباب التراجع العربي أيضًا لها أبعادها الإقليمية البَيّنة؛ فالحرب في غزة لها اثرها الكبير ، بالإضافة إلى التوترات الإقليمية في البحر الأحمر، كما أن هناك أولويات اقتصادية داخلية في الخليج، وربما أن هذه الملفات استهلكت جزءًا كبيرًا من الطاقة الدبلوماسية العربية. كما أن اختلاف المواقف بين الدول العربية منها من هو أقرب للمؤسسة العسكرية، وأخرى أكثر انفتاحًا على المسار المدني، ومنها من فضّل الحياد ، جعل الموقف العربي غير موحّد، وبالتالي أقل قدرة على قيادة مبادرة واحدة قوية.
كما أن الدول العربية فشلت في بناء منصة عربية فعّالة؛ فالجامعة العربية لم تستطع حتى الآن تقديم إطار سياسي واضح أو آلية ضغط حقيقية في الأزمة السودانية، وكان دورها ضعيفًا للغاية، وفشلت في إيجاد حل للأزمة، مما جعلها الآن خارج حسابات الحل
وهذه الأسباب جعلت دولًا إفريقية ومنظمات تفرض نفسها بقوة.
فالمنظمات الإفريقية هي في الحقيقة الفاعل الأكثر استفادة من غياب المبادرة العربية، لاسيما أنها تتحرك بشرعية مؤسسية، وتتقدم بثقة في الملف السوداني. وقد يكون هذا ليس مجرد “تحرك مؤسسي” بل إعادة تشكيل كاملة لمركز الثقل السياسي في الإقليم.
واستفادت الدول الإفريقية من تشتت المواقف العربية، الأمر الذي سمح لإثيوبيا وكينيا بالظهور. فكينيا تمارس إطلالتها السياسية على مسرح الأحداث كلما وجدت فرصة مواتية للظهور، وهي ترى نفسها دولة مستقرة سياسيًا واقتصاديًا، ومهبطًا ومقرًا لعدد كبير من البعثات الأممية والدبلوماسية، بالإضافة إلى أنها كانت ولا تزال تقدّم نفسها كقائد لدول شرق إفريقيا، وتحافظ على علاقات قوية مع الغرب، خصوصًا الولايات المتحدة.
أما إثيوبيا تنافسها الإطلالة بشكل مختلف بعد أن تحوّلت إلى فاعل بحاضرها كدولة قوية بثقل سكاني وعسكري، وبصفحات تاريخ من النفوذ في القرن الإفريقي.
ولا يمكن للدول العربية استعادة زمام المبادرة من جديد بعدما سيطرت عليه الدول الغربية؛ فشراء الأدوار الفاعلة لا يأتي بصياغة البيانات وبالشكل الشعاراتي، بل عبر خطوات واقعية تستند إلى ميزان القوى الحالي، حتى تستفيد من نقاط ضعف المسار الإفريقي، وتعيد للعرب موقعهم الطبيعي في الملف السوداني. لكن يبدو أن عقارب الساعة توقفت عن التنبيه.
كما أن غياب بعض الدول الفاعلة والمؤثرة سابقًا يجعل إدارة الصراع والحل تكشف عن عقلية أكبر تقف خلف عملية التغير في الشرق الأوسط الذي له علاقة قوية بشرق إفريقيا.
إذن، هل يتم الآن السعي لتنفيذ الحل الدولي على طاولة إفريقية لاستعادة مكانة السودان كمارد إفريقي؟
عبر هذا الحضور الكثيف للدول والمنظمات الإفريقية. فوجود دول الغرب مع تحركات القوى المدنية في القارة الإفريقية يؤكد أن إثيوبيا وكينيا وجنوب إفريقيا والإيغاد والاتحاد الإفريقي لم تعد علاقتها بالحل علاقة عابرة، بل علاقة تمهّد لمباركة انتقال السودان إلى حضن القارة الإفريقية، ليس كدولة عادية، بل بحضور ونفوذ مختلف.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.