بين التفتيش والاحتجاز: سودانيون يروون تعرضهم للضرب والتعسف والاحتجاز في مصر

تقرير: عين الحقيقة

تشير تقارير حقوقية وإعلامية حديثة إلى تفاقم ملحوظ في الإجراءات الأمنية التي تستهدف لاجئين وطالبي لجوء في مصر، من بينهم أعداد كبيرة من السودانيين، وسط مخاوف متزايدة من انتهاكات قانونية تتعلق بالاحتجاز والترحيل.

 

خلال الأشهر الماضية، نفذت السلطات المصرية حملات أمنية واسعة شملت اعتقال لاجئين وطالبي لجوء في محافظات القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية.

 

ووفق إفادات متقاطعة، جرت بعض التوقيفات من منازل أو شوارع عامة أو عبر نقاط تفتيش، دون إبداء أسباب قانونية واضحة، ما أثار قلقًا متزايدًا داخل أوساط الجاليات المتضررة.

 

وأكدت منظمة العفو الدولية أنها وثّقت اعتقال 22 شخصًا من جنسيات مختلفة، بينهم نساء وأطفال، مشيرة إلى أن أكثر من نصفهم كانوا مسجلين رسميًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «UNHCR»، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول مدى احترام الضمانات القانونية المكفولة لطالبي اللجوء بموجب الاتفاقيات الدولية.

 

وفي تطور لافت، أُعلن عن وفاة لاجئ سوداني يبلغ من العمر 67 عامًا داخل قسم شرطة الشروق بالقاهرة، بعد احتجازه تسعة أيام في ظروف وصفتها تقارير حقوقية بأنها سيئة وغير إنسانية.

 

الحادثة أثارت موجة انتقادات واسعة، لا سيما أن المتوفى كان يحمل بطاقة لجوء سارية صادرة عن المفوضية، ما دفع جهات حقوقية إلى المطالبة بفتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات الوفاة، وضمان المساءلة القانونية في حال ثبوت أي تجاوز.

 

وتفيد تقارير أخرى بأن حملات الاعتقال لا تزال مستمرة، وأن بعض المحتجزين جرى ترحيلهم بالفعل، بينهم أشخاص مسجلون لدى المفوضية.

 

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات قد تمثل إخلالًا بمبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى بلد قد يواجه فيه خطرًا على حياته أو حريته.

 

وفي ضوء ذلك، روى لاجئون سودانيون في القاهرة لـ«عين الحقيقة» مآسي ومعاناة تعكس حالة الخوف والترقب التي تسود أوساطهم، حيث يلجأ البعض إلى تقليل تحركاتهم اليومية أو تغيير أماكن سكنهم تفاديًا لنقاط التفتيش والحملات المفاجئة، ما انعكس سلبًا على قدرتهم على الوصول إلى فرص العمل أو التعليم أو الخدمات الأساسية.

 

ويقول «س.ك»، لـ«عين الحقيقة»، وهو شاب سوداني يقيم في حي المهندسين، إنه تعرض للضرب أثناء توقيفه في إحدى نقاط التفتيش رغم إبرازه بطاقة اللجوء الخاصة به.

 

وأضاف: طلبوا مني الصعود إلى سيارة الشرطة، وعندما حاولت الاستفسار عن السبب، تلقيت صفعة ودُفعت بقوة.. بقيت محتجزًا لعدة أيام دون أن أعرف التهمة الموجهة إليّ، ولم يُسمح لي بالاتصال بأحد.

 

وفي إفادة أخرى، ذكر «ع.م»، وهو لاجئ سوداني يعمل في ورشة بحي فيصل، أنه تعرض لتعنيف لفظي وجسدي أثناء حملة أمنية مفاجئة.

 

وقال: “تم اقتيادنا جميعًا من مكان العمل، فتعرّض بعضنا للركل والدفع، وقيل لنا إن وجود بطاقة المفوضية لا يعني شيئًا إذا لم تكن الإقامة مجددة.. شعرنا بالإهانة والخوف، خاصة أن بيننا من لديهم أسر وأطفال ينتظرونهم”.

 

وتندرج هذه الإجراءات ضمن ما تصفه السلطات بحملات «ضبط الأجانب» التي تستهدف المخالفين لقوانين الإقامة.

 

إلا أن شهادات متعددة من لاجئين سودانيين تشير إلى أن حيازة بطاقة لجوء أو وثيقة تسجيل من المفوضية لا توفر دائمًا ضمانة كافية ضد التوقيف أو الاشتباه.

 

وقد تأثرت بشكل خاص مناطق ذات كثافة سكانية سودانية في القاهرة، مثل فيصل، المهندسين، أرض اللواء، والدقي، حيث بات السكان أكثر حذرًا في تنقلاتهم اليومية، وسط قلق من احتمالات الاحتجاز أو الترحيل.

 

كما أفادت منظمات حقوقية في تقارير مؤخرًا بأن عشرات الآلاف من السودانيين غادروا مصر ضمن برامج وُصفت بأنها عودة طوعية، إلا أن تقارير موازية أبدت مخاوف من أن بعض تلك العمليات جرت في ظروف قد تنطوي على ضغوط غير مباشرة أو غياب بدائل واقعية وآمنة.

 

وفي ظل هذه التطورات، تتزايد الدعوات من منظمات مصرية ودولية إلى وقف الاعتقالات والاحتجازات التعسفية، والإفراج الفوري عن المحتجزين دون سند قانوني، واحترام التزامات مصر الدولية فيما يتعلق بحماية اللاجئين وطالبي اللجوء.

 

تعكس الوقائع الأخيرة اتساع نطاق الحملات الأمنية وتأثيرها المباشر على المجتمع السوداني المقيم في مصر، سواء عبر اعتقالات طالت حتى حاملي بطاقات اللجوء، أو من خلال حالات وفاة داخل مراكز الاحتجاز، أو عمليات ترحيل أثارت انتقادات حقوقية، فضلًا عن إفادات متكررة بشأن التعنيف وسوء المعاملة.

 

وبينما تؤكد السلطات أن الإجراءات تأتي في إطار تطبيق قوانين الإقامة، يطالب حقوقيون بضمان التوازن بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات القانونية الدولية، بما يحفظ كرامة اللاجئين ويصون حقوقهم الأساسية، في ظل استمرار الحرب في السودان وتعقّد خيارات العودة الآمنة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.