تشكيل اللجنة الفنية لامتحانات الشهادة السودانية.. قرار يعيد الأمل إلى آلاف الطلاب بغربي السودان

تقرير : عين الحقيقة

في خطوة وُصفت بأنها الأهم منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، أصدرت وزارة التربية والتعليم بحكومة «تأسيس» قراراً وزارياً بتشكيل لجنة فنية عليا للإشراف على امتحانات الشهادة السودانية للعام الدراسي 2025–2026، في مسعى لمعالجة آثار التوقف الطويل للعملية التعليمية، وإنصاف مئات الآلاف من الطلاب الذين حُرموا من الجلوس للامتحانات خلال الأعوام الماضية.

فالقرار، الذي وقّعه وزير التربية والتعليم كوكو محمد جقدول بتاريخ 23 فبراير، يأتي ضمن برنامج حكومة السلام «تأسيس» الرامي إلى تحييد العملية التعليمية عن التجاذبات السياسية والعسكرية، وإعادة المسار الأكاديمي إلى طبيعته بعد سنوات من التعطيل نتيجة الحرب وتداعياتها الأمنية واللوجستية.

معالجة آثار الحرب وتسييس التعليم

منذ اندلاع القتال في السودان منتصف أبريل 2023، تعطلت الدراسة في عدد واسع من الولايات، لا سيما إقليم دارفور وأجزاء من كردفان، وتعرضت مؤسسات تعليمية لأضرار مباشرة وغير مباشرة، ما أدى إلى حرمان دفعات كاملة من طلاب الشهادة السودانية من أداء الامتحانات منذ عام 2023.

ويرى مراقبون أن تسييس العملية التعليمية خلال فترة الحرب أسهم في تعقيد المشهد، وخلق حالة من القلق وسط الأسر والطلاب بشأن مستقبلهم الأكاديمي، في ظل غياب رؤية واضحة للامتحانات من قبل القائمين على الأمر في مناطق سيطرة حكومة «تأسيس».

وظل الطلاب والطالبات بدارفور، على وجه التحديد، طوال السنوات الثلاث الماضية، ينتظرون بفارغ الصبر أي قرار يعيد لهم الأمل بشأن امتحانات الشهادة السودانية، خاصة الطلاب المقيمين في نطاق سيطرة حكومة السلام والوحدة الوطنية، حتى جاء القرار الذي وُصف بالشجاع من حكومة «تأسيس» بإعلان قيام امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها، وهي خطوة وجدت ارتياحاً بالغاً من الطلاب وأسرهم.

إعلان الاستعدادات

عقب قرار المجلس الرئاسي والهيئة القيادية بإقامة الامتحانات في مناطق سيطرة «تأسيس»، أعلنت الإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور جاهزيتها الكاملة لاستضافة امتحانات الشهادة السودانية لجميع الدفعات، بما يتيح الفرصة أمام الطلاب للجلوس للامتحانات واستكمال مسيرتهم التعليمية.

ورحّب رئيس الإدارة المدنية بالولاية، يوسف إدريس يوسف، بالقرار، واصفاً إياه بأنه «انتصار لإرادة الشعب السوداني في غربي البلاد».

وأكد، في تصريح لـ«عين الحقيقة»، أن تمكين الطلاب من أداء امتحانات الشهادة الثانوية وفتح الجامعات يمثل خطوة مهمة نحو استعادة الاستقرار التعليمي بعد فترة من التحديات التي أثرت على سير العملية التعليمية.

وأوضح أن حكومة الولاية ستضع خطة متكاملة لمراكز الامتحانات، تشمل توفير الدعم اللوجستي والفني، وتهيئة البيئة المدرسية، وضمان الجوانب الأمنية والصحية، بما يتيح للطلاب أداء الامتحانات في أجواء آمنة ومنظمة.

كما أشاد بجهود رئيس المجلس الرئاسي وأعضاء مجلس الوزراء ووزير التربية والتعليم وحاكم الإقليم في دعم العملية التعليمية وتهيئة المناخ المناسب لإنجاح الامتحانات.

فيما قال المدير العام لوزارة التربية والتعليم بولاية جنوب دارفور، حافظ أحمد عمر، إن قرار إقامة الامتحانات خفف من معاناة الطلاب وأسرهم داخل السودان وخارجه، واصفاً الخطوة بأنها «برد وسلام» على قلوب الممتحنين وأولياء أمورهم الذين ظلوا يطالبون وزارته بحل أزمة الشهادة السودانية.

الإجابة على التساؤلات

منذ إعلان المجلس الرئاسي والهيئة القيادية لـ«تأسيس» قيام الامتحانات في مناطق سيطرتها، ظلت التساؤلات تسود الشارع العام في دارفور وغرب كردفان حول موعد الامتحانات وتفاصيلها.

وفي ضوء هذه التساؤلات، أصدر وزير التربية والتعليم بحكومة السلام والوحدة الوطنية قراراً بتشكيل اللجنة الفنية العليا للامتحانات، ويهدف القرار إلى وضع حد لحالة الغموض، عبر تشكيل لجنة فنية ذات تمثيل واسع واختصاصات محددة، تتولى الإعداد والإشراف الكامل على امتحانات الشهادة السودانية، مع الالتزام بمعايير الجودة والنزاهة والشفافية.

تشكيل لجنة ذات تمثيل موسع

وبحسب القرار، تم تعيين حافظ أحمد عمر، مدير عام وزارة التربية والتعليم بولاية جنوب دارفور، رئيساً للجنة، فيما يشغل مدير عام وزارة التربية والتعليم بالأراضي المحررة «كاودا» منصب نائب الرئيس.

وضمت اللجنة في عضويتها مديري عموم وزارات التربية والتعليم بولايات وسط وجنوب وغرب وشرق دارفور، ومدير عام وزارة التربية والتعليم بولاية غرب كردفان، إلى جانب مديري المرحلة الثانوية في الولايات المعنية.

كما شملت عضويتها ممثلين عن المعلمين، والشرطة الفدرالية، والاستخبارات العسكرية، وجهاز المخابرات العامة، ومكتب رئيس مجلس الوزراء، ووزارة المالية والاقتصاد، فضلاً عن عدد من الخبراء التربويين، فيما سُمّي خالد محمد إبراهيم، مدير التخطيط والإحصاء التربوي بولاية جنوب دارفور، مقرراً للجنة.

ويعكس هذا التشكيل، بحسب متابعين، توجهاً لتأمين العملية من مختلف الجوانب التربوية والمالية والأمنية والإدارية، بما يضمن سلامة الإجراءات واستقرار البيئة الامتحانية.

مهام واضحة وصلاحيات واسعة

وحدد القرار مهام اللجنة في إعداد خطة شاملة لامتحانات الشهادة السودانية تستوعب جميع الطلاب الذين تعذر جلوسهم للامتحانات منذ اندلاع الحرب، مع وضع معالجات للفجوة التعليمية الناتجة عن توقف الدراسة، بما في ذلك ترتيبات لمعالجة فاقد التحصيل الأكاديمي.

كما تتولى اللجنة الإشراف على إعداد الامتحانات وتقييم نتائجها، ورفع التوصيات إلى الجهات المختصة، وضمان توفير التمويل اللازم لتغطية متطلبات الإعداد والتنفيذ، وتهيئة بيئة آمنة للطلاب لأداء الامتحانات، وضمان سرية الامتحانات والشفافية في عمليات التصحيح وإعلان النتائج.

ومنح القرار للجنة صلاحية الاستعانة بمن تراه مناسباً لإنجاز مهامها، مع إلزام جميع الجهات المختصة بتقديم الدعم اللازم، على أن تنتهي ولايتها بإعلان النتائج النهائية لامتحانات الشهادة السودانية.

ارتياح واسع وسط أولياء الأمور

وعقب صدور القرار، عبّر عدد من أولياء الأمور عن ارتياحهم الكبير لهذه الخطوة، معتبرين أنها تمثل بارقة أمل حقيقية بعد سنوات من القلق والترقب.

وقال أحد أولياء الأمور، محمد عثمان علي، لـ«عين الحقيقة»، إن أبناءهم «دفعوا ثمناً باهظاً للحرب وتسييس التعليم»، مشيراً إلى أن كثيراً من الطلاب عاشوا حالة من الإحباط النفسي بسبب عدم قدرتهم على الجلوس للامتحانات منذ عام 2023، رغم استعدادهم الأكاديمي.

وأضاف أن القرار أعاد الثقة في إمكانية إنصاف الطلاب ومنحهم فرصة عادلة لمواصلة مسيرتهم التعليمية، سواء في الجامعات أو المعاهد العليا، بعد فترة طويلة من الجمود وعدم اليقين.

بدورها، أكدت إحدى الأمهات بنيالا، تُدعى سارة إسحاق، أن الأسر ظلت تعيش ضغوطاً نفسية واقتصادية مضاعفة نتيجة بقاء أبنائها في المنازل دون أفق واضح، لافتة إلى أن تشكيل لجنة فنية عليا بإشراف مباشر من الوزارة يعكس جدية في معالجة الملف بعيداً عن التجاذبات.

إعادة الاستقرار للعملية التعليمية

يرى تربويون أن نجاح اللجنة في تنفيذ مهامها سيشكل نقطة تحول مفصلية في مسار التعليم بالسودان، خاصة إذا تمكنت من استيعاب جميع الطلاب المتأثرين بالحرب، وضمان بيئة آمنة وعادلة لإجراء الامتحانات.

كما يُنتظر أن تسهم الخطوة في إعادة الانضباط إلى التقويم الدراسي، وترميم الثقة بين مؤسسات الدولة والأسر، بعد مرحلة اتسمت بالاضطراب والتباين في القرارات التعليمية.

وفي ظل التحديات الأمنية والاقتصادية الراهنة، يبقى الرهان معقوداً على قدرة اللجنة الفنية العليا على تحويل القرار إلى واقع عملي يلامس تطلعات مئات الآلاف من الطلاب وأسرهم، ويعيد للشهادة السودانية مكانتها كاستحقاق وطني جامع، بعيداً عن تأثيرات الحرب وتسييس العملية التعليمية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.