لا تدعوا الساسة يمارسون إلهاءنا: أمامنا الموت السياسي والمجتمعي لتنظيم الحركة الإسلامية… وواجبنا الآن هو الدفن المؤسسي

عبدالحافظ سعد الطيب

مقدمة
بين الإلهاء السياسي والموت التاريخي: تنظيم الحركة الإسلامية انتهى… وبقي واجب الدفن والقبر المؤسسي
سياسة الإلهاء: من تعريف المفهوم إلى أمثلته في واقعنا
في علم الاتصال السياسي، الإلهاء ليس مجرد إثارة إعلامية عابرة، بل هو تقنية منهجية لإعادة توجيه وعي الجمهور بعيدًا عن الفعل والأسئلة الجوهرية.
هو نقل النقاش من البنية إلى الأشخاص، ومن المؤسسات إلى القصص الفردية، ومن المشروع إلى الحدث اللحظي.
الإلهاء يعمل عبر ثلاث آليات أساسية:
تضخيم الجزئي حتى يبدو كليًا.
استبدال السؤال الاستراتيجي بسجال عاطفي.
خلق موجات متتالية من الجدل تمنع تراكم الوعي.
وإذا طبقنا هذا المفهوم على ما يحدث الآن، تتضح الصورة بجلاء.
أولًا: تدوير الشخصيات بدل تفكيك البنية
يتحوّل المشهد العام إلى حلقات سجال متتابعة:
حلقة بودكاست مع طاهر التوم تستضيف سناء حمد فتشتعل المنصات.
ثم حلقة أخرى مع أمين حسن عمر، فيتحول النقاش إلى ماضيه الأيديولوجي: هل كان شيوعيًا؟ ماذا قال سابقًا؟ ماذا يقصد الآن؟
النتيجة؟
نقاش كثيف حول الأفراد، وصمت شبه كامل حول:
كيف أُعيد إنتاج شبكات التمكين؟
كيف تُستعاد الدولة من اقتصاد الظل؟
ثانيًا: الشائعات كبديل للتحليل
تنتقل البوصلة فجأة إلى سؤال:
هل مات حميدتي؟
ثم إلى: ظهر حميدتي في تسجيل.
سواء ثبتت الشائعة أو نُفيت، فإنها تحقق هدفها:
تحويل وعي المجتمع إلى متابعة مشهد درامي، بدل متابعة مسار إعادة بناء المؤسسات.
ثالثًا: جدل الإقصاء كفخ دائري
يتحول النقاش إلى ثنائية مستهلكة:
هل يتم إقصاء الكيزان؟
أم لا يتم إقصاؤهم؟
ويُختزل الأمر في معركة خطابية، بينما السؤال الحقيقي هو:
هل تم تفكيك البنية الاقتصادية والتنظيمية التي صنعت التمكين؟
هل عادت الخدمة المدنية إلى معيار الكفاءة؟
الإلهاء هنا لا ينكر وجود المشكلة، بل يعيد تعريفها بشكل يجعلها غير قابلة للحل.
الخلاصة
كل موجة جدل تُطرح كأنها القضية المركزية، بينما القضية المركزية تُؤجل:
تفكيك الإرث البنيوي لـ الحركة الإسلامية،
واستكمال ما بدأته الثورة السودانية من بناء دولة مهنية لا دولة شبكات.
الإلهاء ليس خطأً عفويًا في الإعلام.
إنه آلية بقاء لمشروع فقد شرعيته، فيحاول أن يبقى عبر تشتيت خصومه، لا عبر إقناعهم.
والمطلوب الآن ليس الدخول في كل موجة جدل،
بل تثبيت البوصلة على السؤال الأكبر:
💥كيف ندفن المشروع مؤسسيًا واحتماعيًا، لا إعلاميًا؟
الشعوب لا تغيب فجأة، لكنها تُخدع حين تترك حبل مصيرها طويلًا في غارب الساسة.
والشعب السوداني، عبر تاريخه الحديث، لم يكن عاجزًا ولا غائبًا، بل كان حاضرًا في كل منعطف مفصلي: من ثورة أكتوبر إلى انتفاضة أبريل إلى موجات ديسمبر.
لكنه، في كل مرة، كان ينجز فعل الإسقاط ثم ينسحب، تاركًا فراغ ما بعد الثورة لطبقة سياسية تعيد تدوير ذاتها، وتعيد إنتاج الأزمات بأسماء جديدة.
المشكلة لم تكن يومًا في ضعف الشارع ولا في وعيه ولا في جسارته، بل في تسليمه التفويض بلا رقابة، والثقة بلا مساءلة، والانسحاب من الميدان مبكرًا.
وهنا تتجدد القاعدة التاريخية:
من يملأ الفراغ بعد الثورة يحدد مصيرها.
لقد أنجز الشعب السوداني، عبر الثورة السودانية، فعلًا تاريخيًا أطاح بنظام هيمن على الدولة ثلاثة عقود.
وأسقط واجهته السياسية المتمثلة في المؤتمر الوطني تنظيم الحركة الاسلامية،
وكشف البنية السلطوية التي شيدتها الحركة الإسلامية تحت لافتات الدين والمشروع الحضاري.
لكن إسقاط الرأس لم يكن نهاية المعركة، بل بدايتها.
اليوم، نحن أمام مرحلة أخطر من لحظة الثورة الأولى:
مرحلة الوعي بما بعد الموت السياسي.
تنظيم الحركة الإسلامية، كمشروع أيديولوجي حاكم، لم يُهزم فقط؛ لقد استُنفدت شرعيته، وتآكلت سرديته، وتفككت بنيته الأخلاقية.
ما تبقى ليس مشروعًا فكريًا، بل شبكات مصالح، ومجموعات تبحث عن البقاء عبر سياسة الإلهاء، وإعادة تعريف الأزمة بعيدًا عن جذورها البنيوية.
ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس عودتهم عبر برنامج مقنع — لأن البرنامج مات — بل عودتهم عبر الفوضى، وعبر تشتيت الانتباه، وعبر تحويل المعركة من معركة بناء دولة إلى معارك جانبية لا تنتهي.
هنا تحديدًا يجب ألا ينسحب “برلمان الشارع” مرة أخرى.
برلمان الشارع ليس شعارًا عاطفيًا، بل هو مفهوم رقابي تاريخي:
🔸أن يبقى الشعب حاضرًا، منظمًا، مراقبًا، فاعلًا، لا يسلّم التفويض كاملًا، ولا يغادر الميدان بعد أول انتصار.
🔸أن تتحول لجان المقاومة إلى بنى مجتمعية خدمية ورقابية.
🔸أن تتشكل النقابات على أسس مهنية لا حزبية.
🔸أن يدرك الجنود وضباط الصف أن مهنيتهم الوطنية هي صمام أمان الدولة لا ولاؤهم لأي مشروع سياسي.
المعركة الآن ليست معركة إسقاط سلطة، بل معركة دفن مشروع.
🔸والدفن المؤسسي يعني:
تفكيك شبكات التمكين اقتصاديًا.
إعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة.
استعادة مهنية المؤسسة العسكرية بعيدًا عن الاستقطاب.
ترسيخ الرقابة الشعبية كفعل دائم لا موسمي.
إذا ترك الشعب الحبل مرة أخرى، سيعود الدوران في الحلقة ذاتها.
أما إذا تمسك به هذه المرة، فسنكون أمام لحظة بناء حقيقية للدوله السودانية.
الموت السياسي المجتمعي قد حدث.
لكن الدفن لم يكتمل بعد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.