بين الحرب ولقمة العيش.. من يدفع ثمن أولويات السلطة؟

تيسير المبارك

في كل صباح يستيقظ آلاف العاملين في قطاعات التعليم والصحة والمياه والكهرباء وهم يحملون الهم ذاته: كيف يمكن الاستمرار في أداء الواجب المهني وسط ظروف معيشية تزداد قسوة يوماً بعد آخر؟ وكيف يمكن لمعلم أن يشرح دروسه، أو لطبيب أن يعالج مرضاه، أو لعامل مياه أن يواصل عمله، بينما تتآكل رواتبهم تحت وطأة التضخم وارتفاع الأسعار وانهيار قيمة العملة؟

هذه الأسئلة لم تعد مجرد شكاوى عابرة، بل أصبحت عنواناً لأزمة عميقة يعيشها العاملون في مؤسسات الخدمة العامة بالسودان. ففي الوقت الذي تتجه فيه الموارد المحدودة نحو متطلبات الحرب وتداعياتها، يشعر كثير من الموظفين بأن قضاياهم المعيشية وحقوقهم المهنية تراجعت إلى ذيل قائمة الأولويات.

لقد أصبح من الواضح أن قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين اليومية تعاني من نقص التمويل وضعف الإمكانات. فالمدارس تواجه أزمات متراكمة، والمستشفيات تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات، وشبكات المياه والكهرباء تتعرض لضغوط متزايدة وسط أوضاع اقتصادية معقدة. لكن الأزمة لا تتعلق بالبنية التحتية وحدها، وإنما تمتد إلى الإنسان الذي يدير هذه المرافق ويحافظ على استمرارها.

فالمعلم الذي يربي الأجيال يجد نفسه عاجزاً عن توفير احتياجات أسرته الأساسية. والطبيب الذي يسهر لإنقاذ الأرواح يواجه تحديات معيشية لا تقل قسوة عن معاناة مرضاه. أما العاملون في قطاعات المياه والخدمات الأساسية، فهم يؤدون أعمالاً شاقة في ظروف استثنائية دون أن تنعكس أهمية أدوارهم على أوضاعهم المعيشية.

إن أي دولة تخوض حرباً تواجه بطبيعة الحال ضغوطاً مالية كبيرة، لكن التجارب حول العالم أثبتت أن الحفاظ على الخدمات الأساسية وحماية العاملين فيها ليس ترفاً يمكن تأجيله. فالتعليم والصحة والمياه ليست قطاعات هامشية، بل تمثل ركائز الاستقرار الاجتماعي والصمود الوطني.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ما جدوى الحفاظ على مؤسسات الدولة إذا كان العاملون فيها يفقدون القدرة على الاستمرار؟ وكيف يمكن الحديث عن بناء المستقبل بينما يعاني المعلمون والأطباء والموظفون من أوضاع تدفع كثيرين منهم إلى ترك المهنة أو البحث عن مصادر دخل بديلة؟

إن تراجع الاهتمام بحقوق العاملين لا ينعكس فقط على حياتهم الشخصية، بل ينعكس أيضاً على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. فكل أزمة أجور في قطاع التعليم تتحول إلى أزمة تعليمية، وكل تدهور في أوضاع الكوادر الصحية ينعكس على جودة الرعاية الطبية، وكل إهمال للعاملين في قطاع المياه والخدمات الأساسية يهدد استقرار حياة الناس اليومية.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الحروب، بل قد تنهار أيضاً عندما تفقد مؤسساتها المدنية القدرة على أداء وظائفها الأساسية. ومن هنا فإن إنصاف العاملين في قطاعات الخدمة العامة ليس مطلباً فئوياً ضيقاً، بل ضرورة وطنية تتعلق بمستقبل البلاد وقدرتها على تجاوز أزماتها.

إن الموظف الذي يطالب بأجر يكفل له حياة كريمة لا يطلب امتيازاً خاصاً، وإنما يطالب بحق طبيعي يتيح له أداء واجبه بكرامة واستقرار. ولذلك فإن أي رؤية جادة لمعالجة الأزمة السودانية ينبغي أن تضع الإنسان في مقدمة الأولويات، وأن تدرك أن الاستثمار في المعلم والطبيب والعامل والموظف هو استثمار في استقرار المجتمع كله.

فالدول لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما تُبنى أيضاً بالمدرسة والمستشفى ومحطة المياه، وبالرجال والنساء الذين يواصلون العمل داخل هذه المؤسسات رغم كل الصعوبات. وأي سياسة تتجاهل هذه الحقيقة إنما تضعف أسس الدولة التي تسعى إلى حمايتها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.