يتواصل إضراب المعلمين في ولاية كسلا للأسبوع الثاني وسط التزام واسع بالإغلاق الشامل للمدارس في مختلف المحليات، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي يعيشها قطاع التعليم في السودان، ويؤكد أن قضية المعلمين لم تعد مجرد مطالب فئوية مرتبطة بالأجور والاستحقاقات، بل أصبحت قضية تتعلق بمستقبل العملية التعليمية واستقرار المجتمع بأكمله.
ووفقاً للتقرير الصادر عن لجنة المعلمين السودانيين بولاية كسلا، فقد استمر الإغلاق يوم الأربعاء 10 يونيو بالقوة نفسها التي انطلق بها، وسط تماسك ملحوظ بين المعلمين والمعلمات في مختلف أنحاء الولاية. كما أعلنت اللجنة استمرار الإضراب حتى يوم الخميس، مع عقد اجتماع للجنة العليا للإضراب وممثلي المدارس ومناديب الولايات لتقييم الموقف واتخاذ القرارات المتعلقة بالمرحلة المقبلة.
إن الرسالة التي يبعث بها المعلمون من خلال هذا الحراك واضحة ومباشرة: لم يعد بالإمكان الاستمرار في أداء الرسالة التعليمية في ظل أوضاع معيشية تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. فالمعلم الذي كان يمثل إحدى أهم ركائز الدولة السودانية يجد نفسه اليوم في مواجهة تحديات اقتصادية قاسية جعلت من تأمين احتياجات أسرته الأساسية معركة يومية لا تقل صعوبة عن أي معركة أخرى.
ولسنوات طويلة ظل المعلمون يتحملون أعباء التدهور الاقتصادي، محافظين على استمرار العملية التعليمية رغم ضعف الرواتب وتراجع الخدمات وانعدام البيئة المناسبة للعمل. لكن الأوضاع بلغت مرحلة أصبح فيها الصمت أكثر كلفة من الاحتجاج، وأصبح الإضراب بالنسبة للكثيرين وسيلة أخيرة للدفاع عن الحد الأدنى من الحقوق والكرامة المهنية.
ومن المؤسف أن بعض الجهات ما زالت تنظر إلى الإضراب باعتباره عقبة أمام التعليم، بينما يغيب عنها أن المعلم نفسه هو قلب العملية التعليمية ومحورها الأساسي. فلا يمكن الحديث عن تعليم مستقر أو تطوير للمناهج أو تحسين لمخرجات التعليم في وقت يعجز فيه المعلم عن توفير احتياجاته الأساسية أو يشعر بأن حقوقه لا تجد الاهتمام الكافي.
إن ما يحدث في كسلا ليس حالة معزولة، بل يأتي في سياق أوسع من الحراك المطلبي الذي تشهده قطاعات مهنية عديدة في السودان، نتيجة الضغوط المعيشية المتزايدة وتآكل قيمة الأجور أمام موجات الغلاء المتلاحقة. ولهذا فإن التعامل مع مطالب المعلمين يحتاج إلى رؤية شاملة تعالج جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
ويحسب للجنة المعلمين أنها لم تكتفِ بالدعوة إلى الإضراب، بل وجهت نداءً إلى السلطات المختصة للاستجابة الجادة للمطالب، كما خاطبت المجتمع السوداني بكل فئاته لدعم القضية باعتبارها قضية تعليم ومستقبل أجيال. وهي رسالة مهمة تؤكد أن المعلمين لا يخوضون معركتهم من أجل مصالح ضيقة، وإنما من أجل واقع تعليمي أفضل يضمن للطلاب حقهم في تعليم مستقر وللمعلمين حقهم في حياة كريمة.
إن أي مجتمع يحترم مستقبله يبدأ باحترام معلميه. وأي دولة تسعى للنهوض لا يمكنها أن تتجاهل أوضاع الذين تقع على عاتقهم مسؤولية بناء الأجيال وصناعة الوعي. لذلك فإن الاستجابة لمطالب المعلمين ليست مجرد استجابة لفئة مهنية، بل هي استثمار مباشر في مستقبل السودان نفسه.
ويبقى الأمل أن تلتقط الجهات المعنية الرسالة قبل أن تتسع دائرة الأزمة أكثر، وأن يُفتح باب الحوار الجاد والمسؤول للوصول إلى حلول تنصف المعلمين وتحافظ في الوقت نفسه على استقرار العملية التعليمية. فحين يضطر المعلم إلى إغلاق الفصل الدراسي حتى يُسمع صوته، فإن المشكلة لا تكون في الإضراب، بل في الأسباب التي قادت إليه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.