السودان مرآة لصدع العالم؟!

الجميل الفاضل:

في خضم الأزمات الدولية المتلاحقة، يبرز السودان اليوم ليس مجرد ساحة نزاع إقليمي أو دولة أنهكتها الحرب، إنما هو مرآة تعكس اختلالات النظام العالمي بأسره.
إذ قبل أن يبدأ التاريخ، كان هناك «كتاب» سُطرت فيه مقادير الحياة كلها، قال عنه تعالى: «ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها».
هذا الكتاب كان أولًا، ثم جاء الوجود تالياً.
واليوم، يبدو أن ما يجري في السودان وفي العالم ليس خارجًا عن هذا الناموس.
فإن أخطر ما يواجه العالم حاليًا ليس اضطراب الأسواق ولا تصاعد الحروب، لكنه العطب الذي أصاب عقول من كانوا يظنون أنفسهم سادة العالم.
فالإنسانية تدخل مرحلة تتقدم فيها الأقدام بينما تتراجع البصائر، وتتراكم المعلومات حتى يكاد يختنق اليقين، وتتعاظم أدوات السيطرة فيما تتبدد الحكمة.
لم يعد المشهد الدولي قابلًا للتفسير بالسياسة أو المصالح وحدها.
ثمة يد أعلى تمضي بكتابها كما شاءت منذ الأزل.
إنها سنة إلهية يلخصها القرآن في قوله: «واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه».
فكثير ممن يملكون القرار اليوم لا يملكون قلوبهم، ويحسبون أنهم يصنعون التاريخ بينما التاريخ هو الذي يقودهم.
فحين تُسلب الحكمة من أصحاب السلطان، لا يكون ذلك خطأ عابرًا في الحسابات، بل لحظة من لحظات التدبير الإلهي المهيمن، حيث تنفصل القوة عن الرشد، ويصل الإنسان إلى نهاية ثقته بنفسه قبل أن يُضطر مُجبراً للعودة إلى الحقيقة.
في قلب هذا الزلزال، يقف السودان قطعة من كتاب القدر.
فمنذ حضارة كوش، لم يكن السودان بلدًا عاديًا، بل كان هو أرض امتحانات ثقيلة ومسرحًا تتلاقى فيه سنن الأرض بأسرار السماء.
كل حضارة مرت به تركت أثرًا، وكل طاغية ظن أنه امتلكه ابتلعته أرضه ثم بقيت.
ما يعيشه السودان اليوم، على قسوته، ليس خروجًا عن هذا الناموس.
البنى القديمة تنهار، والأصنام السياسية والفكرية والأيديولوجية تتساقط.
ليس لأن الفوضى هي الغاية، لكن لأن الميلاد لا يأتي إلا بعد أن تبلغ المخاضات منتهاها.
فالأزمتان، العالمية والسودانية، نهر واحد يسير في مجريين.
القوى الكبرى استنفدت معظم أدواتها، وها هي تتخبط من خطأ إلى آخر.
والسودان بلغ انسدادًا لم تعد معه المبادرات الموسمية أو صفقات اللحظة قادرة على إنعاشه.
فعندما تنسد أبواب الأرض، تبدأ أبواب السماء في الانفتاح.
وعندما تعجز الأسباب، يظهر مسبب الأسباب.
هذا ليس خطابًا رومانسيًا، لكنه قانون تكرر في تاريخ الأمم كلما استنفدت البشرية أوهام قدرتها المطلقة.
ما يقوله السودان للعالم اليوم، من دون أن ينطق، إن الأزمة ليست سودانية في جوهرها، إنما هي أزمة نظام دولي فقد ميزانه.
وما السودان ليس إلا المرآة التي انعكس عليها هذا الصدع.
لذلك، فإن أي فرج هنا لن يكون حدثًا محليًا محدود الأثر، لكنه سيكون بداية ارتجاج أوسع يعيد ترتيب موازين كثيرة في الإقليم والعالم.
فالسنن إذا دارت، دارت معها الدوائر كلها.

أما سؤال «متى؟» الذي يطرحه المتعبون من الحرب، فالجواب عند الساعة البشرية يبدو بعيدًا.

أما الساعة القدرية فلها حساب آخر: إذ كلما اشتدت الظلمة اقترب الفجر، وكلما تسارع انهيار المنظومات دل ذلك على أن صفحة كاملة توشك أن تُطوى.
فالليل لا يطول لأنه قوي، لكن لأنه يستنزف آخر ما فيه من ظلام.
وهكذا تمضي الحضارات حين تبلغ نهايات أعمارها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.