مافيا الطاقة الشمسية فى السودان

عمر على احمد

 

أدى الاستهداف الممنهج للبنية التحتية للطاقة الكهربائية بواسطة الطائرات المسيّرة، إلى جانب الانخفاض الكبير في إنتاج الكهرباء من محطات التوليد المائي والحراري نتيجة لاشكالات فنية وادارية، إلى تفاقم أزمة الكهرباء في السودان. كما ساهمت عمليات نهب وتدمير شبكات نقل وتوزيع الكهرباء، بما في ذلك الأسلاك والمحولات، بواسطة عصابات السرقة و الشفشافة، في إضعاف قدرة الشبكة القومية على إيصال الكهرباء حتى في المناطق التي لا تزال محطات التوليد قادرة على تغذيتها.

في ظل هذا الواقع، أصبحت الطاقة الشمسية الخيار الأكثر عملية وموثوقية للأسر والمنشآت الاقتصادية، مما أدى إلى ارتفاع الطلب على أنظمة الطاقة الشمسية بصورة غير مسبوقة. إلا أن هذا الطلب المتزايد صاحبه ارتفاع كبير في أسعار الألواح والبطاريات والمحولات وملحقاتها، وسط غياب أي آليات حكومية فعالة لتنظيم السوق أو حماية المستهلك من الممارسات الاحتكارية والمغالاة في الأسعار.

شهدت أسعار ألواح الطاقة الشمسية في السودان خلال النصف الأول من عام 2026 ارتفاعًا غير مسبوق، تجاوز بكثير ما يمكن تفسيره بتراجع قيمة الجنيه السوداني أو الزيادات العالمية في تكلفة الإنتاج والشحن. فقد ارتفع سعر اللوح الشمسي سعة 590 واط من نحو 250,000 جنيه سوداني في يناير 2026 إلى حوالي 800,000 جنيه في يوليو 2026، أي بزيادة بلغت 550,000 جنيه، تعادل نحو 220% مقارنة بالسعر الأصلي (أو أصبح السعر النهائي يعادل 320% من سعر يناير). فى حين ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه السوداني خلال نفس الفترة من 3,500 جنيه إلى 5,500 جنيه، أي بزيادة تقارب 57% فقط. كما أن التغيرات في السوق العالمية لم تكن بالحجم الذي يبرر هذه القفزة في الأسعار. فقد ألغت الحكومة الصينية في أبريل 2026 دعمًا ضريبيًا على صادرات منتجات الطاقة الشمسية بنسبة 6%، بينما ارتفعت تكاليف شحن حاوية قياس 40 قدمًا من الموانئ الصينية إلى السودان بنسبة تراوحت بين 9% و 21%، تبعًا لميناء التصدير، نتيجة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر والحرب الدائرة في المنطقة.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن الزيادة المنطقية في أسعار الألواح الشمسية كان يفترض أن تتراوح بين 72% و 84%، باحتساب أثر انخفاض قيمة الجنيه السوداني، وإلغاء الدعم الصيني، والزيادة في تكاليف الشحن. ووفقًا لذلك، كان من المتوقع أن يتراوح سعر اللوح بين 480,000 و 510,000 جنيه سوداني، وليس 800,000 جنيه.

وهذا يعني أن هناك فارقًا يتراوح بين 290,000 و 320,000 جنيه في سعر اللوح الواحد لا يمكن تفسيره بالعوامل الاقتصادية الموضوعية وحدها، مما يشير إلى وجود اختلالات في السوق، قد تشمل الاحتكار، وضعف المنافسة، والمضاربة، وغياب الرقابة الحكومية الفاعلة على تسعير معدات الطاقة الشمسية.

وتدعم المقارنات الإقليمية أيضًا فرضية أن أسعار ألواح الطاقة الشمسية في السودان تجاوزت المستويات الطبيعية. فقد أظهرت مراجعة الأسعار المنشورة عبر الإنترنت لألواح الطاقة الشمسية بقدرة 590 واط في عدد من الدول المجاورة أن الأسعار في السودان هي الأعلى بينها.

 

تجدر الإشارة إلى أن الأسعار المنشورة على مواقع الشركات والمتاجر الإلكترونية غالبًا ما تكون أعلى من أسعار البيع بالجملة أو الأسعار التي يحصل عليها كبار المستوردين، إذ تتضمن هوامش ربح تجارة التجزئة وتكاليف التسويق والتوزيع. ومع ذلك، ورغم هذا التحفظ المنهجي، ظلت الأسعار المعلنة في الدول المجاورة أقل من الأسعار المتداولة في السوق السوداني، مما يعزز الاستنتاج بأن ارتفاع الأسعار في السودان لا يمكن تفسيره فقط بعوامل مثل سعر الصرف أو تكاليف النقل أو الرسوم الجمركية.

ومن المتوقع أن يتزايد الطلب على الكهرباء خلال الفترة المقبلة مع عودة أعداد متزايدة من المواطنين إلى منازلهم في ولاية الخرطوم واستئناف المناطق الصناعية والورش والمشروعات الإنتاجية نشاطها تدريجيًا. وإذا لم تُتخذ إجراءات استباقية لمعالجة الفجوة بين العرض والطلب، فإن أزمة الطاقة مرشحة للتفاقم، بما ينعكس سلبًا على وتيرة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.تكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل تحول الطاقة الشمسية من سلعة كمالية إلى خدمة أساسية يعتمد عليها المواطنون والمستشفيات والمدارس والأنشطة التجارية والصناعية و الزراعية بعد التدهور الكبير في إمدادات الكهرباء القومية. ومن ثم، فإن استمرار هذا الارتفاع غير المبرر لا يهدد فقط قدرة الأسر على الحصول على الطاقة، بل يعيق أيضًا جهود التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار و عودة المواطنين الى مساكنهم.

وأمام هذه التطورات، تبرز الحاجة إلى تدخل الدولة بصورة عاجلة من خلال حزمة من السياسات والإجراءات، تشمل:

• وضع آليات لمراقبة وتنظيم أسعار معدات الطاقة الشمسية والحد من الاحتكار والمضاربات.

• تخفيض أو إعفاء مدخلات الطاقة الشمسية من الرسوم الجمركية والضرائب لتقليل التكلفة على المستهلك النهائي.

• تشجيع المنافسة ومنع تركيز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات.

• توفير برامج تمويل ميسر للأسر وصغار المنتجين، مثل التقسيط طويل الأجل أو التمويل الأصغر، لتمكينهم من اقتناء أنظمة الطاقة الشمسية.

• تشجيع الاستثمار المحلي في تجميع أو تصنيع بعض مكونات أنظمة الطاقة الشمسية، بما يسهم في خفض الأسعار وخلق فرص عمل.

• وضع معايير فنية وضوابط للجودة لحماية المواطنين من المنتجات الرديئة وضمان سلامة الأنظمة وكفاءتها.

• منح اعفاءات و اسثناءتللافراد و الجمعيات التعاونية و الروابط الاقيليمية و المناطقية و لجان المجتمع لتتمكن من استيراد حوجته من معدات الطاقة الشمسية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.