يُعدّ ملف الخدمة المدنية في السودان من أكثر الملفات كشفاً لطبيعة حكم حركة الإسلام السياسي منذ انقلاب الإنقاذ عام 1989، إذ تحوّلت الوظيفة العامة من فضاء للكفاءة والخدمة إلى أداةٍ للإقصاء والتمكين الحزبي. وقد جرى تسريح آلاف الموظفين الكفؤين تحت ذريعة “الإحالة للصالح العام”، وملأت كوادر الحركة الإسلامية الفراغ الناجم بصرف النظر عن المؤهلات والخبرة، فأصاب الوهنُ دولابَ الدولة من قمته إلى قاعه، وانعكس ذلك على حياة المواطن اليومية في مياهه وصحته ومواصلاته حتى في عاصمة البلاد.
تكشف الحالات الموثقة حجم الكارثة؛ ففي شركة السودان للأقطان تجاوز حجم الفساد 300 مليار جنيه، وتورط فيه مسؤولون من أعلى المستويات..
غير أن الإقصاء لم يكن وحده ثمرةً مرّة لهذا النهج؛ فقد نما الفساد في ظل الإنكار الرسمي نمواً مطّرداً. وبينما كان الرئيس البشير يهدد الصحفيين بالمحاسبة على مجرد الكتابة عن الفساد دون إثبات، كانت تقارير المراجع العام تُسجّل تصاعداً مستمراً في جرائم المال العام، بلغت 137 حالة موثقة في عام 2002 وحده. وقد أسهم هذا الإنكار الرسمي في توفير الغطاء الذي احتاجه الفساد كي ينتشر ويتجذّر.
وتكشف الحالات الموثقة حجم الكارثة؛ ففي شركة السودان للأقطان تجاوز حجم الفساد 300 مليار جنيه، وتورط فيه مسؤولون من أعلى المستويات. وفي الخطوط الجوية السودانية “سودانير”، الناقل الوطني العريق الممتد تاريخه إلى أربعينيات القرن الماضي، كشفت سلسلة تحقيقات الصحفي عثمان ميرغني عن فساد منهجي دمّر المؤسسة، تضمّن بيع خط هيثرو في لندن دون أن يُعرف ثمنه أو المستفيد منه. وصف الصحفي ما رصده بأنه “جريمة كاملة الأركان في وضح النهار”، قبل أن تضطره ضغوط مجهولة إلى إيقاف تحقيقاته قبل اكتمالها. وعلى المستوى المحلي، حصل مسؤول كبير في الأراضي على ست قطع سكنية وتجارية في مناطق متميزة، وسجّل مدير المساحة بالخرطوم سبع قطع باسمه، فيما اختلس موظفو مكتب والي الخرطوم ما يقارب 600 مليار جنيه. ولعل الأكثر مفارقةً أن وزير المالية الذي دعا السودانيين إلى التقشف عقب انفصال الجنوب كُشف عن امتلاكه منزلاً بـ1.85 مليون دولار إلى جانب عقارات أخرى في أحياء راقية.
وقد أضفت الحركة على هذا كله غطاءً فقهياً أسمته “فقه السترة”، يقوم على إعادة المال المنهوب وإسدال الصمت على الفضيحة بدلاً من المحاسبة العلنية، فأصبح الإفلات من العقوبة قاعدةً راسخة لا استثناء. ووصل السودان في مؤشر منظمة الشفافية الدولية إلى المرتبة 177 بدرجة 1.6 من 10، وهو رقم يكاد يلامس الصفر المطلق في انعدام الشفافية. وقد أقرّ بفشل هذه التجربة من غير خصومها؛ إذ وصف الشيخ راشد الغنوشي ما آلت إليه الحركة الإسلامية في السودان بأنها “تحوّلت إلى حكم سلطوي قامع، يتزاحم كثير من رجاله على المشاريع التجارية والمناصب لأنفسهم ولأسرهم وأبناء قبائلهم”.
واليوم، بعد سنوات على سقوط نظام البشير وانطلاق حرب الخامس عشر من أبريل 2023، يجد السودان نفسه أمام مفارقة مؤلمة؛ إذ أتاحت الحرب وما أفرزته من فراغ مؤسسي للإسلاميين فرصةً للعودة إلى مفاصل الخدمة المدنية والتمكين فيها من جديد، مستغلّين شبكات النفوذ التي لم تُفكَّك قط بعد ثورة ديسمبر 2019. وهكذا تُعاد إنتاج أزمات الماضي بأدواتها ذاتها، فيما تُقطع الطريق بمنطق قوة السلاح أمام أي مسعى حقيقي لإصلاح مؤسسات الدولة وبناء خدمة مدنية محترفة تقوم على الكفاءة والمساءلة، لا على الولاء والانتماء الحزبي. ويبقى السؤال قائماً: هل يمكن لدولة ترزح تحت وطأة حرب أهلية أن تنجو من استعادة الماضي الذي ثارت عليه؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.