إضرابات المعلمين وأساتذة الجامعات.. هل تعيد تجربة تجمع المهنيين إلى الواجهة؟
تقرير ـ عين الحقيقة
مع اتساع رقعة الإضرابات المطلبية وسط المعلمين وأساتذة الجامعات في عدد من الولايات السودانية، عاد إلى الواجهة سؤال ظل يتردد في الأوساط السياسية والنقابية خلال الأسابيع الماضية: هل يمكن أن تتحول هذه التحركات المهنية إلى نواة لحراك أوسع يعيد إلى الأذهان تجربة تجمع المهنيين السودانيين الذي لعب دوراً محورياً في الحراك الشعبي الذي أطاح بنظام الرئيس السابق عمر البشير عام 2019؟
تصاعد الاحتجاجات المرتبطة بالأجور والحقوق المهنية أعاد النقاش حول الدور التاريخي للأجسام النقابية والمهنية في التغيير السياسي والاجتماعي في السودان.
ورغم اختلاف الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها البلاد اليوم مقارنة بمرحلة ما قبل سقوط النظام السابق، إلا أن تصاعد الاحتجاجات المرتبطة بالأجور والحقوق المهنية أعاد النقاش حول الدور التاريخي للأجسام النقابية والمهنية في التغيير السياسي والاجتماعي في السودان.
من المطالب المعيشية إلى الفعل الجماعي
بدأت التحركات الحالية من مطالب ترتبط بتحسين الأجور وصرف المتأخرات المالية وإصلاح شروط الخدمة، وهي قضايا أصبحت تمس قطاعات واسعة من العاملين في الدولة في ظل التدهور الاقتصادي المستمر وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويقول مراقبون إن المعلمين وأساتذة الجامعات لا يطرحون اليوم شعارات سياسية مباشرة، بل يركزون على حقوق مهنية ومعيشية يرون أنها أصبحت ضرورة للاستمرار في أداء مهامهم. لكن التجربة السودانية، بحسب هؤلاء، أثبتت أن الحركات المطلبية كثيراً ما تتحول إلى منصات أوسع للنقاش العام عندما تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الأوضاع السياسية والاجتماعية.
نجح التجمع آنذاك في توحيد قطاعات مهنية مختلفة حول مطالب مشتركة، مستفيداً من حالة الغضب الشعبي الناتجة عن الأزمة الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة.
ذاكرة تجمع المهنيين
يستحضر كثيرون تجربة تجمع المهنيين السودانيين الذي نشأ في الأساس كتحالف نقابي ومهني للدفاع عن حقوق العاملين، قبل أن يتحول لاحقاً إلى أحد أبرز قادة الحراك الشعبي الذي قاد إلى إسقاط نظام البشير. وقد نجح التجمع آنذاك في توحيد قطاعات مهنية مختلفة حول مطالب مشتركة، مستفيداً من حالة الغضب الشعبي الناتجة عن الأزمة الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة. ويرى محللون أن ما منح تجمع المهنيين قوته لم يكن فقط قدرته على التنظيم، بل نجاحه في ربط المطالب المهنية بالقضايا الوطنية العامة التي كانت تشغل الشارع السوداني.
واقع مختلف وتحديات أكبر
غير أن مراقبين يشيرون إلى أن الظروف الحالية تختلف بصورة كبيرة عن تلك التي سبقت ثورة ديسمبر.
فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أدت إلى تفكك كثير من المؤسسات، وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح، كما أثرت على قدرة الأجسام المهنية على التواصل والتنظيم. إضافة إلى ذلك، فإن أولويات قطاعات واسعة من المواطنين باتت تتركز على الأمن وتوفير الاحتياجات الأساسية في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تعيشها البلاد. ويرى بعض الخبراء أن هذه المعطيات تجعل من الصعب تكرار تجربة 2018 و2019 بالشكل ذاته، حتى وإن ظلت أسباب الاحتجاج الاقتصادي قائمة.
هل تتوسع دائرة الإضرابات؟
ويتوقع متابعون للشأن النقابي أن تشهد الفترة المقبلة انضمام قطاعات مهنية أخرى إلى دائرة المطالبات المتعلقة بالأجور وبيئة العمل، خاصة في مجالات الصحة والكهرباء والمياه والخدمة المدنية. ويشير هؤلاء إلى أن القواسم المشتركة بين العاملين في مختلف المؤسسات الحكومية أصبحت أكبر من أي وقت مضى، نتيجة الضغوط الاقتصادية التي تطال الجميع تقريباً. ومع ذلك، فإن نجاح أي حراك أوسع سيظل مرتبطاً بمدى قدرة هذه القطاعات على التنسيق فيما بينها وصياغة أجندة مشتركة تتجاوز المطالب الفئوية الضيقة.
بين الحقوق المهنية والتغيير السياسي
ويرى مراقبون أن أي محاولة لربط الإضرابات الحالية مباشرة بمشروع سياسي واسع قد تكون سابقة لأوانها، خاصة أن الأجسام المهنية المشاركة تؤكد أن تحركاتها تركز على قضايا الأجور والاستحقاقات وحقوق العاملين. لكنهم يضيفون أن تجاهل المطالب المعيشية واستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاحتجاجات مستقبلاً، وهو ما يمنح الحراك النقابي أبعاداً تتجاوز الملف المهني.
تشير تجارب السودان خلال العقود الماضية إلى أن النقابات والأجسام المهنية ظلت تلعب أدواراً مؤثرة في الحياة العامة..
درس التجربة السودانية
وتشير تجارب السودان خلال العقود الماضية إلى أن النقابات والأجسام المهنية ظلت تلعب أدواراً مؤثرة في الحياة العامة، سواء في الدفاع عن حقوق العاملين أو في المشاركة في الحراك السياسي والاجتماعي. ولذلك يرى كثير من المراقبين أن أهمية الإضرابات الحالية لا تكمن فقط في مطالبها المباشرة، بل في قدرتها على إعادة الحيوية إلى العمل النقابي والتنظيم المهني بعد سنوات من التراجع والاضطرابات.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
وبينما يواصل المعلمون وأساتذة الجامعات تمسكهم بمطالبهم، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت هذه التحركات ستظل في إطارها المهني المطلبي، أم أنها ستتحول مع مرور الوقت إلى جزء من حراك مدني أوسع يعبر عن حالة السخط المتزايدة تجاه الأوضاع المعيشية والخدمية. ومهما كانت الإجابة، فإن المؤكد أن إضرابات المعلمين وأساتذة الجامعات أعادت الأجسام المهنية إلى قلب النقاش العام، وأثبتت أن قضايا الأجور والحقوق الوظيفية ما زالت قادرة على تحريك الشارع وإثارة أسئلة أكبر تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع في السودان.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.