بعد تأكيد مقتل المرشد الايراني علي خامنئي، ظهر ان السلاح الذي ظل يقتل الشعب السوداني طوال العامين الماضيين في الحرب التي يقودها إخوان السودان الكيزان بقيادة مجرم الحرب البرهان، اصبح اليوم موجها نحو دول الخليج نفسها، وهذا التحول يكشف خطأ السياسات التي اختارت دعم الحركة الظلامية الشيطانية في السودان بدلا من دعم الاستقرار والتنمية. لقد تعاملت بعض الدول الخليجية مع الحرب في السودان باعتبارها فرصة لاعادة تشكيل النفوذ الاقليمي، وليس باعتبارها ازمة انسانية تهدد شعبا كاملا، فاختارت تمويل وتسليح المليشيات الكيزانية، وغضت الطرف عن دخول السلاح الايراني الى السودان، رغم التحذيرات من ان هذا السلاح جزء من مشروع نفوذ عسكري يمتد من البحر الاحمر الى الخليج.
وتشير تقارير دولية منذ عام 2023 الى ان ايران قدمت دعما عسكريا مباشرا للكيزان، وقد شمل هذا الدعم طائرات مسيرة وذخائر وشحنات عسكرية وصلت عبر بورتسودان خلال الفترة من ديسمبر 2023 الى يوليو 2024، كما تحدثت تقارير اخرى عن وجود خبراء عسكريين ايرانيين شاركوا في تشغيل بعض الانظمة القتالية. هذا السلاح استخدم في قصف المدنيين في الخرطوم ودارفور وكردفان، وفي استهداف البنية التحتية والمستشفيات والاحياء السكنية، مما جعل السلاح الايراني جزءا من معاناة الشعب السوداني، بينما كانت بعض الدول العربية تقدم الغطاء السياسي والدبلوماسي والمالي والاعلامي للجماعات المتطرفة. ومع تصاعد التوتر في المنطقة بعد الهجوم الاسرائيلي والامريكي يوم امس على طهران الذي ادى الى مقتل خامنئي، ظهرت مفارقة واضحة، وهي ان السلاح الايراني الذي سمحت بعض الدول الخليجية بتمريره الى السودان او تغاضت عنه، اصبح اليوم جزءا من تهديد مباشر لها، وهذا يعكس ارتدادا طبيعيا لسياسات قصيرة النظر اعتمدت على دعم المتطرفين بدلا من دعم المناضلين من اجل الدولة المدنية الديمقراطية في السودان.
وكان الاجدر بالدول العربية، وخاصة دول الخليج، ان توجه اموالها الضخمة من عائدات البترول والغاز نحو دعم الامن والاستقرار والتنمية في السودان، بدلا من دعم جماعات الارهاب التي لا مشروع لها سوى اعادة انتاج الفوضى التي عاشها السودان لاكثر من ثلاثة عقود، لان الاستثمار في الاستقرار والتنمية كان سيحمي المنطقة كلها، بينما الاستثمار في الفوضى عاد اليوم ليهدد الجميع. وتؤكد التطورات الاخيرة ان السلاح الذي يدخل السودان بلا رقابة يتحول بسهولة من ساحة الى اخرى، ومن هدف الى اخر، وان تجاهل مصادره او التواطؤ مع الجهات التي تجلبه لا يحمي احدا، بل يفتح الباب امام تهديدات اقليمية اوسع، وهذا ما يظهر اليوم في الهجمات البربرية الايرانية على دول الخليج. السودان دفع ثمنا باهظا لهذا السلاح، والان تبدو المنطقة كلها امام لحظة مراجعة حقيقية، لان استمرار تدفق السلاح غير المنضبط في البحر الاحمر والقرن الافريقي والخليج يهدد امن الجميع، ويجعل من الضروري اعادة تقييم السياسات التي سمحت بتمدد هذا النوع من النفوذ العسكري.
إن ما يجري اليوم في الخليج يثبت ان السلاح الذي يغذي الفوضى في السودان لا يمكن عزله عن امن المنطقة كلها، فالسلاح الذي يدخل بلا رقابة ولا محاسبة يتحول من ساحة الى اخرى، ومن هدف الى اخر، وعندما يصبح السلاح الايراني جزءا من معادلة التوتر في الخليج بعد ان كان جزءا من معاناة الشعب السوداني، فإن ذلك يكشف خطأ التقديرات التي رأت في دعم إخوان السودان خيارا سياسيا مقبولا. لقد اثبتت الاحداث ان الفوضى لا تبقى داخل حدود السودان، وان السلاح الذي يقتل السودانيين يمكن ان يهدد دولا اخرى في لحظة واحدة، وهذا يجعل من الضروري اعادة تقييم السياسات التي اتبعت من قبل بعض دول الخليج خلال الحرب السودانية، لان امن السودان وامن الخليج مترابطان، ولا يمكن الفصل بينهما مهما اختلفت الحسابات السياسية. إن ما يجري اليوم ليس في صالح المتطرفين في السودان، ولا في صالح من يدعمهم، لان السلاح الذي اعتمدوا عليه تحول الى عبء اقليمي يهدد الجميع، بينما يبقى الشعب السوداني هو الطرف الوحيد الذي يناضل من اجل الحرية والعدل والكرامة، وهو نضال لا يمكن لاي قوة اقليمية او جماعة متطرفة ان توقفه، لان ارادة الشعوب اقوى من السلاح، واقوى من التحالفات المؤقتة.
* كاتب وباحث
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.