تجسيد مبكر!!

أطياف - صباح محمد الحسن

طيف أول:
للطفل الذي يحلم أن يلامس خدَّه هواءُ الوطن
للذي يخشى الخوف
لكنه على يقين أن ما زال في الأرض متسع للحلم
والسلام.
ومن أضعف البيانات التي أصدرتها وزارة الخارجية السودانية بيانها أمس، الذي قالت فيه:(تتابع حكومة السودان، طوال شهر فبراير وبداية مارس، دخول طائرات مسيّرة من داخل الأراضي الإثيوبية إلى المجال الجوي السوداني، وتعاملها مع أهداف داخل السودان. وتدين حكومة السودان وترفض هذا السلوك، وتعتبره انتهاكًا صارخًا لسيادة السودان وعملاً عدائيًا مباشرًا ضد الدولة السودانية.
وتحذر حكومة السودان السلطات الإثيوبية من مغبة الاستمرار في هذه الأعمال العدائية، وتؤكد أنها تحتفظ بحقها الكامل في الرد على هذه الانتهاكات).
ويمثل هذا أول اتهام رسمي من السودان لإثيوبيا بالتورط المباشر في الحرب الدائرة منذ ما يقارب ثلاث سنوات.
والغريب في الأمر، والذي يلفت النظر من الوهلة الأولى، هو: كيف تراقب الحكومة السودانية طائراتٍ مسيّرة تدخل من إثيوبيا إلى الأجواء السودانية طوال هذا الشهر دون أن تُسقِط هذه المسيّرات وما هي الآثار التي ترتبت على دخولها وماذا تقصد الحكومة بقولها “تعاملها مع أهداف داخل السودان” فماذا كان يحدث في الوقت الذي كانت فيه الحكومة “تتابع” فيه الحكومة حركة طيران دولة تخترق الأجواء وتتحدى السيادة الوطنية!!
فالخبر يؤكد أن الحكومة صمتت طوال هذا الشهر، واختارت أن تفصح عن احتجاجها الآن. فهل انشغال القوى الكبرى بصراعات عالمية قد يفتح هامشًا أكبر للدول الإقليمية للتحرك لكسب نقاط سياسية، والتي قد تستغل اللحظة لزيادة الضغط الدبلوماسي على إثيوبيا، خصوصًا مع استمرار الخلاف حول ملء وتشغيل السد!!
ام أن الحكومة يجب أن تتعامل بطريقة أكثر حسمًا مع المسيرات الإثيوبية؟
وبالرغم من أن بيان الخارجية هو تحذير لإثيوبيا التي تعدّت على السودان، إلا أن الخبر يكشف في الوقت ذاته أن الدفاع الجوي السوداني ليس لديه شبكة دفاع فعّالة تغطي كل مناطقه، مما يجعل البلاد عرضة للاستباحة. فلماذا لم تستخدم الحكومة مضاداتها لإسقاط هذا الطيران المعتدي، سيما أن الحرب الدائرة تبيح هذا الإسقاط فورًا؟
وقبل يومين تحدثنا هنا عندما صرّح البرهان أن إثيوبيا تدعم قوات الدعم السريع في لقائه الذي أجراه مع الخبير الأمريكي كاميرون هدسون.
فلماذا لم يقل إن إثيوبيا تضرب السودان بالمسيرات لشهر كامل؟ أليست هذه هي الإدانة الأكبر التي يمكن أن يحاصر بها البرهان آبي أحمد ويوجه له اتهامًا أكثر قوة من جملة فضفاضة بلا دليل مثل “إثيوبيا تقدم دعمًا للدعم السريع”؟ لماذا تقدم السلطة السودانية اتهاماتها لإثيوبيا بالتقسيط!!
والسؤال الذي يعيد نفسه: كيف تضرب إثيوبيا السودان بمسيّرات لشهر كامل في الوقت الذي يطلب فيه البرهان من آبي أحمد زيارة أديس أبابا، والأخير يرفض؟ إذن المعتدي هو الذي كان يجب أن يُصدّ الباب في وجهه!
أليس كل فعل مباشر يحتاج إلى رد مباشر؟
فالبيانات لا قيمة لها. فإن كانت إثيوبيا تشارك في حرب السودان، فليتقدم السودان بشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن، أو ليسارع فورًا بتقديم الأدلة للعالم ويضعها في خانة “العدو”.
ولكن إن كانت حكومة السودان بهذه الاتهامات تسعى إلى مكسب سياسي، أو تلعب دورًا بالإنابة لمطامع إقليمية، أو تحاول إظهار أن السودان يتعرض لتدخل خارجي لكسب دعم دولي والضغط على إثيوبيا دون مواجهة مباشرة، فإن هذه الاتهامات لن تأتي حتى بثمن حبرها، سيما إن مارست الحكومة الإثيوبية الصمت وتجاهلت هذه الاتهامات.
فليس من “الكرامة” أن تضرب إثيوبيا بلادنا بالمسيرات، والبرهان يتوسل لآبي أحمد ليوافق على زيارته لإثيوبيا، والحكومة تراقب لشهر كامل!!
و تكرار الهجمات أو إظهار أدلة أقوى ربما يرفع مستوى الاحتكاك في منطقة الفشقة، وأن أي تحرك عسكري صغير قد يتحول إلى مواجهة أكبر، خصوصًا مع ضعف السيطرة المركزية في البلاد. كما أن أي توتر حدودي بين السودان وإثيوبيا قد يتوسع ليشمل حدود مصر، لأن سد النهضة جزء من معادلة الأمن القومي المصري.
وهذا ما قد يجعل أي صدام حدودي أكثر خطورة في هذا التوقيت، في وقت يقف فيه العالم كله على طاولة صفيح ساخن تشتعل تحته ألهبة النيران.
فالتوتر بين السودان وإثيوبيا ليس مجرد خلاف حدودي معزول، لكنه أيضًا يتأثر بالمشهد الدولي المضطرب. ومع ذلك، فقد لا يكون انعكاسًا مباشرًا للحرب الدولية، لكنه ربما يكون تجسيدًا مبكرًا لكيف يمكن للصراعات العالمية أن تُضعف النظام الدولي وتفتح المجال لصراعات إقليمية.
وبما أن الحرب في السودان تتأثر بتنافس القوى الخارجية، فبالتأكيد سينعكس هذا التنافس على علاقة السودان بجيرانه، بما فيهم إثيوبيا.
طيف أخير:
المتحدث باسم الخارجية الأميركية لـ”الشرق”: الأوان فات منذ زمن طويل على المتحاربين في السودان لقبول هدنة إنسانية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.