السودان وإيران: في ميزان الربح والخسارة.. أين “نصيب” المواطن؟

النور آدم سلمان

​لطالما سُوّقت العلاقة السودانية الإيرانية في دهاليز السياسة القديمة على أنها “تحالف إستراتيجي” و”وحدة مصير” في وجه الضغوط الدولية. ولكن، إذا ما أزحنا الستار عن الشعارات الأيديولوجية والخطب الحماسية، ووضعنا هذه العلاقة في ميزان المنطق البراغماتي الذي تُدار به الدول الحديثة، سيجد المواطن السوداني نفسه أمام سؤال صادم: ماذا استفدتُ أنا؟
​تحالف “البارود” لا “الخبز”
​الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن التعاون بين الخرطوم وطهران كان تعاوناً “عسكرياً بامتياز”. نعم، دخلت التقنية الإيرانية في مصانع الذخيرة والمسيّرات، لكن هذا السلاح لم يزرع قمحاً ولم يبنِ مدرسة. لقد كانت علاقة “أنظمة” تبحث عن البقاء والقوة الصلبة، وليست علاقة دول تبحث عن الرفاه لمواطنيها. وبينما كانت دول أخرى تضخ استثماراتها في مشاريع النفط والزراعة والبنية التحتية، كانت إيران تكتفي بتبادل “الخبرات الأمنية” التي لا تُسمن ولا تغني من جوع في معيشة الناس.
​أين التنمية؟ لغة الأرقام لا تكذب
​عندما نتحدث عن شراكات الدول، نتحدث عن لغة الأرقام الملموسة. هل رأينا يوماً “قرضاً حسناً” إيرانيّاً أنقذ الجنيه السوداني من الانهيار؟ هل رأينا “جسرًا” أو “طريقًا سريعًا” أو “محطة كهرباء” نُفذت بتمويل إيراني كمِنحة للشعب السوداني؟
​الإجابة للأسف هي “لا”. فحتى إيران نفسها، الرازحة تحت العقوبات، لم تكن تملك الرفاهية المالية لتكون “مانحاً”. السودان دفع ثمن هذه العلاقة من رصيده الدبلوماسي وعلاقاته مع محيطه العربي والخليجي، دون أن يحصل في المقابل على “تعويض تنموي” يوازي حجم الخسارة.
​فاتورة العزلة مقابل ثمار الانفتاح
​لقد كانت العلاقة مع طهران بمثابة “المغناطيس” الذي جذب للسودان المزيد من العزلة الدولية، حيث وُضعنا في محاور لا تخدم مصالحنا الوطنية العليا. في المقابل،

تبرز المقارنة مع دول مثل الإمارات، الكويت، والولايات المتحدة لتوجه صفعة للواقع الأيديولوجي:

في مجال ​البنية التحتية: بينما غابت البصمة الإيرانية، نجد الكويت “عميد الممولين” حاضرة بسد مروي ومجمع عطبرة وستيت، ونجد الإمارات تستثمر في موانئ ومحطات طاقة شمسية ومنشآت صحية في قلب الولايات.

وفي ظروف الانقاذ المالي في الأزمات الخانقة، لم تمد طهران يد العون المالي، بينما قدمت واشنطن قروضاً تجسيرية بمليارات الدولارات لسداد متأخرات البنك الدولي، وضخت دول الخليج ودائع مباشرة في البنك المركزي لدعم الوقود والدقيق.

اما في مجال ​العون الإنساني تظل الولايات المتحدة الممول الأول لبرنامج الغذاء العالمي في السودان، في حين انحصر الجهد الإيراني في “مراكز ثقافية” مغلفة بأهداف مذهبية أثارت الشقاق أكثر مما قدمت المعرفة.

​إن الدرس المستفاد من عقود العلاقة مع إيران هو أن السياسة الخارجية يجب أن تُبنى على “المصلحة الوطنية المحضة” التي تنفع المواطن فالدولة التي لا تقدم لمواطنيها تنمية، ولا تدعم استقرارها المالي، ولا تساهم في بناء بنيتها التحتية، هي “شريكة في الأيديولوجيا” وليست “شريكة في البناء”.
​آن الأوان للمواطن السوداني أن يطالب بعلاقات دولية تُقاس بمعدلات النمو، وفرص العمل، والمشاريع التنموية، وليس بعدد طائرات “الدرون” أو الوعود التي لا تترك أثراً على الأرض الصديق الحقيقي هو من يبني معك المستقبل، وليس من يبيعك السلاح ليطيل أمد معاناتك .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.