تطور المشهد في السودان في ظل الحرب الدائرة، التي يهيمن فيها الإسلاميون داخل الجيش، ليأخذ منحىً جديدًا، وسط محاولات منسوبي الحركة الإسلامية فرض نفوذهم على مجريات الحرب.
وعقب ظهور مجموعة كتيبة البراء بن مالك الجهادية في الفيديو الأخير، سارع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان بالرد عليها في محاولة لتخدئة الأوضاع.
ويثير خطاب البرهان الأخير عدة أسئلة سياسية، خاصة إذا قورن بالمعطيات التي تشير إلى اجتماع غير معلن مع قيادات من الحركة الإسلامية مثل علي كرتي والحاج آدم يوسف في منطقة جبيت قرب بورتسودان.
قراءة الخطاب في هذا السياق
يكشف خطاب البرهان عن مستويات متعددة من الرسائل السياسية داخليًا وخارجيًا، أبرزها:
رسالة للخارج: إشارة البرهان إلى أن «إخواننا في الخليج أياديهم بيضاء» وتأكيد التضامن معهم في ظل التوترات في الشرق الأوسط، تمثل محاولة لإعادة تثبيت موقع السودان ضمن معسكر الدول العربية الحليفة لدول الخليج. وتعكس هذه اللغة حرص القيادة العسكرية على عدم الظهور متماهية مع أي محور إقليمي قد يتعارض مع المصالح الخليجية.
رسالة ضبط داخلي: انتقاد البرهان الصريح لمجموعة كتيبة البراء بن مالك يعكس قلق المؤسسة العسكرية من تصاعد نفوذ التشكيلات ذات الطابع الأيديولوجي المرتبطة بالحركة الإسلامية. وإعلانه أنه لن يسمح لأي جهة بالحديث باسم الجيش أو الدولة يمثل محاولة لإعادة احتكار الخطاب العسكري والسيادي.
رسالة ردع: العبارة الحادة التي أطلقها البرهان “الزول الداير يفتح عينو يفتحها وإلا سنغمضها له” توحي بأن القيادة العسكرية تسعى لإرسال إشارة ردع لأي طرف يحاول استثمار الحرب لبناء نفوذ سياسي أو عسكري مستقل داخل الدولة.
التناقض بين الخطاب والمعطيات السياسية
عند وضع الخطاب بجانب المعلومات المتعلقة بالاجتماع الذي ضم قيادات إسلامية بارزة، يظهر تناقض واضح بين الخطاب العلني لقائد الجيش والواقع السياسي المحتمل.. إذا صحت المعلومات حول اجتماع جبيت، فقد يعني ذلك محاولة إدارة العلاقة مع الإسلاميين لا قطعها، حيث يسعى البرهان لضبط نفوذهم دون إقصائهم بالكامل، خاصة في ظل اعتماد الجيش على شبكات التعبئة المرتبطة بهم منذ بداية الحرب.
كما يظهر أن الخطاب الموجه للخارج يهدف إلى طمأنة دول الخليج، بينما تظل قنوات التواصل مع الإسلاميين مفتوحة لأسباب عسكرية أو تنظيمية.
أما التصريح المنسوب إلى علي كرتي حول دور إيران وتركيا، فيشير إلى إدراك التيار الإسلامي لأهمية الدعم الخارجي في موازين الحرب، مما يضع القيادة العسكرية أمام معادلة معقدة بين الحلفاء الإقليميين المتنافسين.
اتجاهات قراءة خطاب البرهان
من واقع إشارات البرهان في كلمته الحادة تجاه مجموعة كتيبة البراء الإسلامية الجهادية، يمكن قراءة الخطاب في عدة اتجاهات:
الضغط نحو تفكيك المليشيات الموازية.
إدانة الكتائب العقائدية، ما يمكن أن يستخدم كمدخل للمطالبة بحصر السلاح في القوات النظامية.
إذا تم توظيف الخطاب إعلاميًا وسياسيًا، يمكن اعتباره اعترافًا ضمنيًا بمشكلة تسييس الحرب عبر جماعات عقائدية تقودها الحركة الإسلامية.
هل يمكن أن يكون الخطاب ضربة سياسية للإخوان؟
قد يتحول الخطاب إلى ضغط سياسي على الحركة الإسلامية في حال تكرار الموقف رسميًا من القيادة العسكرية ضد الكتائب المرتبطة بالإسلاميين، واتخاذ إجراءات عملية ضد أي تشكيلات تعمل خارج قيادة الجيش، واستثمار إعلامي وسياسي منظم يربط بين الخطاب ومطلب تحييد الإسلاميين عن مؤسسات الدولة.
يبدو أن خطاب البرهان أقرب إلى مناورة سياسية متعددة الاتجاهات: تهدف إلى طمأنة الخليج، وضبط الكتائب الأيديولوجية، وإدارة توازن مع الإسلاميين داخل معادلة الحرب، التي يبرز فيها نفوذهم بصورة قوية في إدارة ملف الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.