شهدت ولاية غرب كردفان خلال الأشهر الستة الماضية، وتحديداً في الفترة الممتدة من سبتمبر 2025 وحتى مطلع مارس 2026، تصعيداً لافتاً في وتيرة الهجمات الجوية عبر الطيران المُسيّر. وقد تركزت هذه العمليات العسكرية في مناطق حيوية شملت مدن أبوزبد، الفولة، المجلد، السنوط ولقاوة، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح من المدنيين، فضلاً عن دمار واسع في البنية التحتية والأعيان المدنية.
وبدأت ملامح هذا التصعيد تتبلور بوضوح في نوفمبر 2025، حين استهدفت طائرات مُسيّرة مواقع حيوية في مدينتي أبوزبد والفولة. ففي أبوزبد تركز القصف على السوق الرئيسي للمدينة في أوقات الذروة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 40 شخصاً وإصابة العشرات، في هجوم وُصف بأنه الأكثر دموية خلال تلك الفترة. وفي الشهر نفسه طال القصف الأجزاء الجنوبية الغربية من مدينة الفولة، ما أدى إلى مقتل 18 مدنياً على الأقل.
ومع مطلع عام 2026، وتحديداً في يناير، شنت القوات الجوية التابعة للجيش غارات مكثفة على منطقة “جنغارو قصار”، حيث أفادت التقارير بسقوط أكثر من 40 قتيلاً و50 جريحاً. واستمر هذا النمط من العمليات خلال فبراير 2026، الذي شهد استهداف قافلة إغاثية تابعة للوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية كانت في طريقها لنجدة المتضررين في جنوب كردفان، ما أدى إلى تدمير شاحنات الإغاثة بالكامل.
وفي 16 فبراير 2026 وقعت مأساة إنسانية في مدينة السنوط، حيث استهدف قصف مُسيّر مخيماً للنازحين، ما أدى إلى مقتل 15 طفلاً وإصابة 10 آخرين بجروح متفاوتة. وفي اليوم نفسه تعرضت مدينتا المجلد والفولة لهجمات متزامنة أسفرت عن مقتل 50 شخصاً وإصابة أكثر من 80 آخرين، وفقاً لبيانات تحالف السودان التأسيسي. كما رُصد هجوم آخر في 19 فبراير استهدف قرية “أم رسوم” قرب أبوزبد وطال تجمعات مدنية.
وقبل الهجمات الأخيرة نفذت الطائرات المُسيّرة التابعة للجيش قصفاً على إدارية البيجا بمحلية السنوط، كما استهدفت منطقة الدبكر، حيث طال القصف صيوان عزاء كان يضم عدداً من المواطنين.
واستمرت هذه العمليات حتى مارس 2026، إذ شهدت مدينتا الفولة والمجلد غارات جديدة أسفرت في الفولة عن مقتل 6 أشخاص وإصابة 29 آخرين، فيما قُتل في المجلد أكثر من 20 شخصاً وأصيب عشرات بجروح متفاوتة. كما أفادت تقارير ميدانية بأن الطيران المُسيّر قصف مناطق حاجة مكة والقنطور بمدينة أبوزبد، ما أدى إلى مقتل أكثر من 30 شخصاً.
وقد أدت هذه الهجمات المتلاحقة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق، مع تدمير المرافق الصحية والتعليمية والأسواق، ما دفع آلاف الأسر إلى النزوح القسري نحو مناطق أكثر أمناً في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد.
وتؤكد التقارير الميدانية أن استخدام الطيران المُسيّر بات يمثل تهديداً وجودياً للمدنيين في غرب كردفان، إذ يصعب التنبؤ بموعد أو مكان الهجمات، ما حوّل حياة السكان في مدن مثل لقاوة والمجلد والسنوط والفولة إلى حالة دائمة من الخوف والترقب، وسط دعوات حقوقية ودولية متكررة لوقف استهداف الأعيان المدنية وحماية السكان من القصف الجوي المتواصل.
وفي ظل هذا القصف المتواصل، تبدو ولاية غرب كردفان واحدة من أكثر مناطق السودان هشاشة أمام آثار الحرب، حيث يدفع المدنيون الثمن الأكبر لصراع عسكري يتسع نطاقه دون ضوابط واضحة. ويطرح استمرار استهداف الأسواق والتجمعات المدنية تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، في وقت تتزايد فيه الدعوات لوقف هذه الهجمات ومحاسبة المسؤولين عنها، قبل أن تتحول الولاية إلى ساحة مفتوحة لانتهاكات يصعب احتواؤها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.