الدواء ضحية الحرب.. صحة جنوب دارفور: الوزارة الاتحادية حرمت 7 ملايين من الدواء
تقرير: عين الحقيقة
كشف الدكتور المصطفى عبدالله حسن البرمكي، مدير عام وزارة الصحة بولاية جنوب دارفور، عن مخالفات مهنية وأخلاقية ارتكبتها وزارة الصحة الاتحادية بحق المواطنين في مناطق سيطرة «قوات تأسيس». وقال «البرمكي» في تصريحات صحفية إن الوزارة الاتحادية أوقفت إرسال الإمدادات الطبية والأدوية منذ العام 2023، بعد اندلاع الحرب بأشهر قليلة، ما حرم أكثر من سبعة ملايين مواطن بالولاية، بينهم أكثر من مليوني مواطن بمدينة نيالا، عاصمة الولاية، من حقهم في العلاج.
«تسليع الدواء ضمن أدوات الحرب يمثل انتهاكاً للقوانين الدولية»
وأوضح أن إدخال الدواء ضمن أدوات الحرب يمثل انتهاكاً صريحاً للقوانين الدولية والمواثيق المهنية التي تُجرّم حرمان المواطنين من الحصول على الرعاية الصحية، مشيراً إلى أن هذا التنصل ساهم بصورة مباشرة في تفاقم الأوضاع الصحية وتزايد انتشار الأمراض المزمنة مثل السكري والكبد الوبائي وأمراض الكلى والدرن والإيدز وضغط الدم والكوليرا وفقر الدم.
«توقف الإمداد الدوائي أدى إلى كارثة صحية وإنسانية وانتكاسات خطيرة وسط المرضى»
وفي إفادة طبية متصلة، قال الدكتور أحمد محمد سليمان، استشاري الباطنية، إن توقف الإمداد الدوائي أدى إلى انتكاسات خطيرة وسط مرضى الأمراض المزمنة، مؤكداً أن عدداً كبيراً من المرضى فقدوا استقرارهم الصحي بسبب انقطاع العلاج، الأمر الذي ضاعف من نسب المضاعفات والوفيات، خاصة وسط مرضى الكلى والسكري وارتفاع ضغط الدم.
من جانبه، أوضح الدكتور عبد الرحمن يوسف آدم، اختصاصي طب الأطفال، أن إيقاف برامج التحصين تسبب في عودة أمراض الطفولة التي كانت قد اختفت تماماً من السودان، مثل السعال الديكي والدفتيريا. وأضاف أن حرمان آلاف الأطفال من جرعات التطعيم خلق وضعاً صحياً مقلقاً يهدد الأجيال القادمة، محذراً من تفشي أوبئة كان بالإمكان تفاديها حال استمرار برنامج التحصين القومي.
وأشار «البرمكي» إلى أن الكارثة الكبرى لا تقتصر على الأمراض المزمنة، بل تمتد إلى إيقاف أدوية الدرن، ما أدى إلى زيادة الحالات وظهور الدرن المقاوم نتيجة انقطاع العلاج.
كما أكد أن برنامج الإيدز والأمراض المنقولة جنسياً، رغم كونه مدعوماً من برامج الدعم العالمي، حُرم منه المواطنون في مناطق سيطرة قوات تأسيس، الأمر الذي فاقم الوضع الصحي بشكل كارثي.
«تعمد الجيش السوداني تدمير البنية التحتية والخدمية بصورة كاملة»
وفي إفادة إضافية، قال مصدر صحي رفيع بالإدارة المدنية إن جيش الحركة الإسلامية تعمد تدمير البنى التحتية والخدمية بصورة كاملة في مدينة نيالا، بما في ذلك المستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء والمياه والدواوين الحكومية، إلى جانب القتل الممنهج للإنسان.
وأضاف أن الولاية، عند تولي يوسف إدريس مهام الحكم، لم يكن يعمل بها سوى مستشفى واحد فقط، بينما يوجد اليوم أكثر من 12 مستشفى ريفياً تعمل في 12 محلية، إلى جانب خمسة مستشفيات رئيسية تعمل داخل مدينة نيالا.
وأوضح أن النظام الصحي شهد استقراراً معقولاً بعد أن كان معدوماً بالكامل، رغم التحديات الكبيرة، مشيراً إلى أن الولاية شرعت مؤخراً في توريد المحاليل الوريدية ومحاليل غسيل الكلى وصيانة ماكينات الغسيل، بعد رفض سلطات بورتسودان السماح لمنظمة الصحة العالمية بالعمل في مناطق السيطرة.
وأضاف «البرمكي» أن تنصل وزارة الصحة الاتحادية انعكس سلباً على الإمداد الطبي واللوجستي، وحرم الكوادر الصحية من التدريب، ما أثر على جودة الأداء. كما أدى غياب المجالس الطبية إلى هجرة أعداد كبيرة من الاستشاريين والاختصاصيين إلى دول الجوار بحثاً عن أوضاع مهنية أفضل، الأمر الذي تسبب في فقدان الولايات لخبرات وطنية كبيرة ودفع المرضى للسفر خارج البلاد في ظروف قاسية عبر تشاد وليبيا وجنوب السودان.
وفي سياق متصل، أكد البرمكي أن الإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور، ومنذ توليها شؤون الحكم والإدارة قبل نحو تسعة أشهر، حققت عدداً من الإنجازات رغم شح الإمكانيات. وأوضح أن وزارة الصحة بالولاية تمكنت من إعادة تشغيل عدد من المستشفيات والمراكز الصحية، وتحسين خدمات الطوارئ والإسعاف، ودعم أقسام الجرحى والمصابين بالحرب، وتوفير الحد الأدنى من الأدوية المنقذة للحياة.
«بفضل التنسيق مع المنظمات الدولية والإنسانية وتوسيع برامج الرعاية الصحية الأولية أسهم ذلك في تخفيف المعاناة»
وأشار إلى أن هناك تحسناً ملحوظاً ومستمرّاً في قطاع الصحة العامة وصحة الجرحى، بفضل التنسيق مع المنظمات الدولية والإنسانية، وتوسيع برامج الرعاية الصحية الأولية، وتعزيز حملات التوعية والتثقيف الصحي داخل المجتمعات، مما أسهم في تخفيف معاناة المواطنين وسد جزء كبير من الفجوة التي خلفها غياب الدور الاتحادي.
وأكد البرمكي في ختام حديثه أن حكومة «تأسيس»، عبر وزارة الصحة التابعة لها، تتحمل عبئاً كبيراً في إعادة الأوضاع الصحية إلى نصابها الصحيح، مشدداً على استمرار العمل في برامج تعزيز الصحة وبناء القدرات ومعالجة الآثار السالبة التي خلفتها سياسات وزارة بورتسودان خلال السنوات الثلاث منذ اندلاع حرب أبريل 2023.
وفي ظل هذه التحديات الصحية المتفاقمة، يرى مراقبون أن استمرار انقطاع الإمدادات الطبية وغياب التنسيق بين السلطات الصحية المختلفة يهدد بتوسيع دائرة الأزمة الإنسانية في إقليم دارفور. ويؤكد مختصون أن حماية حق المواطنين في العلاج وتحييد القطاع الصحي عن الصراع السياسي والعسكري يمثلان شرطاً أساسياً لمنع انهيار المنظومة الصحية وتفادي كارثة صحية أوسع في المنطقة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.