عقود العنف: الإخوان السودانية بين الأيديولوجيا والدم !!

عبد الجليل سليمان

على مدى عقود، حولت جماعة الإخوان المسلمين ” الحركة الإسلامية السودانية وحزبها المؤتمر الوطني” السودان إلى مختبر ردئ للحكم الأيديولوجي، حيث تداخلت السلطة السياسية مع الشبكات المسلحة بشكل جعل الدولة أداة لتصدير العنف والسيطرة.
القرار الأميركي الأخير بتصنيف هذه الجماعة كياناً إرهابياً عالمياً مصنفاً تصنيفًا خاصًا، لم يكن إجراءً شكليًا؛ بل عكس فهمًا عميقًا لطبيعة القوى التي حولت السودان إلى ساحة نزاع مستمر، وخلقت بيئة سياسية وأمنية هشّة، تجاوزت آثارها الحدود الوطنية لتشكل تهديدًا إقليميًا متناميًا.
(١)
لم تنشأ جماعة الإخوان المسلمين كحزب سياسي تقليدي، بل كتركيبة أيديولوجية عقدية سعت للسيطرة على مفاصل الدولة السودانية، سواء داخل المؤسسات الرسمية أو عبر شبكات موازية.
ومنذ انقلاب يونيو 1989، استخدمت الحركة الإسلامية وحزبها السلطة لبناء مؤسسات تعتمد الولاء التنظيمي فوق الولاء الوطني.
ما بدأ كحركة سياسية انزلق تدريجيًا إلى تحالفات مع تشكيلات مسلحة، مستغلة الجيش والأجهزة الأمنية والأطر المدنية لخدمة مشروع أيديولوجي مغلق.
(٢)
هذا التداخل بين الدولة والتنظيم أنتج هشاشة مؤسسية عميقة. فبالتوازي مع السيطرة على الحكم، انفتح السودان على تيارات متشددة خلال التسعينيات، ليصبح قاعدة لاستقطاب شخصيات مرتبطة بالإرهاب الدولي ” بن لادن، كارلوس وغيرهما”.
هذا الانفتاح على الجماعات الإرهابية العابرة للحدود؛ عزز العزلة الدولية للسودان، وأضعف قدرته على ضمان الأمن والاستقرار.
(٣)
ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تجلت هذه الديناميات بوضوح. فقد تحولت الساحة العسكرية إلى أكثر من مجرد مواجهة بين مؤسسات الدولة الرسمية؛ وبرزت تشكيلات تعبوية تدعي الشرعية الدينية، أبرزها مليشيا البراء بن مالك وغيرها من الكتائب المسلحة التابعة للجماعة المصنفة إرهابية والمتحالفة مع قيادة الجيش السوداني.
هذه المليشيات لم تقتصر على الاشتباك مع الخصوم، بل ارتبطت بانتهاكات واسعة بحق المدنيين، وحولت الصراع السياسي إلى نزاع قائم على أيديولوجيا صارمة.
ولا يمكن فهم هذه التطورات بمعزل عن البُعد الإقليمي. فالعلاقات التي تربط بعض هذه التشكيلات بالشبكات الخارجية، خصوصًا الحرس الثوري الإيراني، تضفي على الأزمة السودانية طبقة إضافية من التعقيد؛ فالدعم اللوجستي والتدريب والإسناد يجعل هذه المليشيات أكثر قدرة على البقاء، لكنه في الوقت نفسه يعقد فرص الحل السياسي ويحوّل النزاع إلى أداة نفوذ إقليمي.
(٤)
وفي هذا الإطار، يمثل القرار الأميركي أكثر من مجرد إجراء تقني. فهو محاولة لتفكيك بنية سياسية – عسكرية معقدة، وقطع قنوات التمويل والدعم التي تمكن هذه الشبكات من مواصلة العنف.
التصنيف يعكس أيضًا اعترافًا بأن استخدام الدين لتبرير العنف المنظم يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الوطني والإقليمي، وأن هذه البنية ليست مجرد حزب سياسي، بل شبكة متعددة الأبعاد تهدد أمن السودان واستقراره.
وبطبيعة الحال، يؤكد التصنيف الأميركي أن تحويل الدولة إلى أداة لإعادة إنتاج العنف عبر تنظيمات مسلحة ذات أيديولوجيا صارمة يشكل تهديدًا لا يمكن مواجهته إلا بفهم معمق للطبيعة المركبة لهذه الشبكات، وربط المسؤولية بالنتائج المترتبة عليها.
الأزمة المستمرة منذ عقود لا تهدد السودان وحده، بل تشكل عامل توتر إقليمي، وتضاعف معاناة المدنيين، مما يجعل الاستجابة الدولية والفهم الدقيق لهذه البنى المسلحة أمرًا حتميًا لضمان الأمن والسلام.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.