بينما يكتوي السودانيون بنيران نزاع مسلح مزق النسيج الاجتماعي ودمر البنية التحتية، تبرز ولاية النيل الأزرق في الخارطة الجيوسياسية ليس فقط كساحة للمعارك، بل كواحدة من أهم خزائن الظل التي تمد المجهود الحربي بالبقاء.
و تشير تقارير إلي نشاط شبكات مصالح معقدة، يقودها حرس قديم منسوب لنظام الإخوان المسلمين وضباط رفيعو المستوى، استبدلوا عقيدتهم المهنية بحمى الذهب والكروم ، محولين الموارد القومية إلى استثمارات خاصة تمول الصراع، بعيداً عن الرقابة المالية للدولة.
في محلية الكرمك التي سيطرت عليها قوات تأسيس مؤخراً، وتحديداً في منطقة “سالي” الغنية بالمعادن، لم تعد الأولوية لحماية الثغور أو بسط الأمن؛ بل تحولت البوصلة نحو التنقيب غير المشروع، و تشير الشهادات الميدانية من داخل المنطقة إلى تورط مباشر لضباط في الجيش ومسؤولين في الإدارة المحلية في عمليات تعدين واسعة النطاق، تتجاوز في طبيعتها الفردية لتصبح منظومة اقتصادية موازية.
لم يعد الضابط يكتفي براتبه أو مخصصاته؛ بل بات يمتلك “أبياراً” خاصة للتنقيب ، الأخطر من ذلك هو تسخير الإمكانيات اللوجستية للمؤسسة العسكرية —من وقود ومركبات وأفراد— لتأمين وتسهيل استخراج المعدن النفيس ونقله.
و دخل هؤلاء المسؤولون في شراكات تجارية “تحت الطاولة” مع تجار محليين ووافدين، مما أدى إلى تضارب صارخ في المصالح. ووفقاً لمراقبين، فإن هذا الانشغال بالثروة أدى إلى إهمال تام للمهام الدفاعية والإدارية الموكلة إليهم، مما جعل أمن المنطقة رهينة لمصالح جنرالات الذهب.
و لا يقتصر الفساد في النيل الأزرق على الذهب، بل يمتد إلى قطاع المعادن الاستراتيجية، حيث يبرز اسم القيادي الإخواني عبد الغني دقيس، معتمد محلية باو، كحلقة وصل رئيسية في هذا المشهد الاقتصادي المعقد، عاد دقيس، الذي شغل مناصب قيادية في عهد نظام البشير، إلى منصبه عقب إجراءات أكتوبر 2021. لم تكن عودته سياسية فحسب، بل كانت إيذاناً بإعادة إحياء نشاط شركته الخاصة المتخصصة في إنتاج الكروم، مستفيداً من نفوذه الإداري لتسهيل العمليات اللوجستية.
تؤكد مصادر مطلعة أن كميات ضخمة من الكروم المستخرج من “محلية باو” يتم تصديرها بانتظام عبر ميناء بورتسودان. ولكن، وبدلاً من أن تذهب هذه العوائد لخزينة الدولة لدعم الخدمات المتدهورة في الولاية، تصب مباشرة في حسابات تمويل المجهود الحربي والعمليات العسكرية، مما يجعل من الموارد الطبيعية وقوداً لاستدامة الحرب بدلاً من أن تكون قاطرة للتنمية.
و مع مع بروز “قوات تحالف تأسيس” كقوة مسيطرة على الأرض في أجزاء واسعة من الولاية، بدأت معادلة الموارد في التغير الجذري. هذه السيطرة الميدانية باتت تشكل تهديداً وجودياً لمصالح “سلطة بورتسودان” وحلفائها من فلول النظام السابق، حيث أدت إلى
قطع طرق الإمداد و تضييق الخناق على المسارات البرية التي كانت تُستخدم لنقل المعادن نحو الشمال والشرق ، بالاضافة الى فقدانها لجزء كبير من التمويل “غير الرسمي” الذي كانت توفره معادن النيل الأزرق، وهو ما يفسر الاستماتة العسكرية لاستعادة السيطرة على تلك المناطق.
انقلاب البرهان على السلطة الشرعية في السودان حول ولاية النيل الأزرق من ساحة صراع منذ عهد المخلوع البشير إلى إقطاعيات اقتصادية يديرها جنرالات ومسؤولون سابقون يدينون بالولاء للنظام القديم. وبينما تُشحن سبائك الذهب وأطنان الكروم عبر بورتسودان لتمويل صفقات السلاح، يظل المواطن في “الكرمك” و”باو” يواجه مصيره وحيداً وسط غياب تام للخدمات الأساسية.
إن تحويل موارد السودان إلى وقود للحرب تحت ستار المؤسسات الرسمية ليس مجرد فساد مالي، بل هو جريمة اقتصادية منظمة تُطيل أمد معاناة الملايين وتؤجل حلم الاستقرار.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.