في سيرة الدول، لا يبدأ السقوط بصوتٍ عالٍ، بل بخطواتٍ خافتة لا ينتبه إليها أحد، حتى تمتلئ الطرقات بآثارها ويصير التراجع قدرًا يوميًا. فالتاريخ، في حقيقته العميقة، ليس سلسلةً من المفاجآت المباغتة، بل تراكمٌ بطيء للأخطاء الصغيرة، حين تُترك بلا مراجعة، وتُحاط بهالةٍ من التبرير، حتى تبلغ لحظةً لا تعود فيها الوقائع قابلةً للاحتواء، ولا المسارات قابلةً للتصحيح. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الحدث مجرد تغيرٍ سياسي عابر، بل يتحول إلى ظاهرةٍ تاريخية كاملة، تُعيد تعريف الدولة، وتكشف حدود الأيديولوجيا حين تُحمَّل أكثر مما تحتمل. ومن هنا تبدأ الحكاية، لا بوصفها سردًا سياسيًا عابرًا، بل باعتبارها سيرة مشروعٍ دخل الحياة العامة محملًا بوعود الخلاص، ثم خرج منها مثقلًا بخيباتٍ ثقيلة، خلَّفت وراءها دولةً مثخنةً بالوهن، ومجتمعًا يتلمس طريقه وسط الركام.
لقد جاءت الحركة الإسلامية إلى سدة الحكم وهي تحمل خطابًا كثيفًا بالمفردات الكبرى: الإصلاح، النهضة، التمكين، وإعادة صياغة الدولة على أسسٍ قيل إنها أخلاقية وعقدية، تتجاوز اختلالات التجربة الوطنية السابقة. غير أن ما بدا في بداياته وعدًا بإعادة البناء، سرعان ما أخذ يتحول، تدريجيًا، إلى مسارٍ طويل من إعادة التشكيل القسري لمؤسسات الدولة، بحيث لم يعد التمكين مجرد سياسةٍ مرحلية، بل صار بنيةً حاكمةً في ذاتها، تتغذى على الإقصاء، وتُعيد توزيع الولاء، لا وفق معايير الكفاءة والاستحقاق، بل وفق منطق الانتماء الضيق. ومع مرور الوقت، لم تعد الدولة إطارًا مهنيًا محايدًا، بل تحولت، شيئًا فشيئًا، إلى جهازٍ بيروقراطي مثقلٍ بالولاءات، فاقدٍ لروح الدولة الجامعة، وعاجزٍ عن استيعاب تنوع المجتمع الذي يفترض به أن يخدمه.
ومع امتداد سنوات الحكم لأكثر من ثلاثة عقود، لم تعد نتائج هذا النهج مجرد تعثراتٍ إدارية عابرة أو أزماتٍ اقتصادية موسمية، بل تحولت إلى بنيةٍ كاملة من الاختلالات العميقة التي أصابت جسد الدولة في مقتل. فالدولة، بوصفها إطارًا جامعًا للتنوع الثقافي والإثني والفكري الذي يميز السودان، لم تعد تؤدي وظيفتها الطبيعية كضامنٍ للتوازن، بل صارت ساحةً لإعادة إنتاج السلطة داخل دوائر مغلقة، تُدار فيها الموارد لا باعتبارها ملكًا عامًا، بل باعتبارها غنائم مؤجلة، تُوزع وفق حساباتٍ ضيقة، وتُبرر بخطابٍ يُضفي على الممارسة السياسية هالةً من القداسة الزائفة، حتى اختلطت حدود الدين بالسياسة، وضاعت المسافة التي تحفظ للدولة حيادها، وللمجتمع توازنه.
ولعل أخطر ما نتج عن هذا المسار، لم يكن إضعاف مؤسسات الدولة فحسب، بل إضعاف الفكرة ذاتها التي تقوم عليها الدولة الحديثة. فحين تُختزل الدولة في مشروعٍ أيديولوجي واحد، وتُصادَر مساحات التنوع لصالح رؤيةٍ أحادية، يصبح الوطن نفسه مجالًا ضيقًا لا يتسع لمواطنيه جميعًا. ومع مرور الزمن، يتراجع الحس العام بالمواطنة، ويحل محله شعورٌ متزايد بالاغتراب داخل الوطن، حيث يجد المواطن نفسه خارج دوائر القرار، وخارج دوائر العدالة، بل وخارج دوائر الأمل. وهنا تبدأ الدولة في فقدان معناها الرمزي قبل أن تفقد قدرتها العملية، لأن الدولة، في جوهرها، ليست مجرد مؤسساتٍ إدارية، بل عقدٌ معنوي بين المجتمع والسلطة، فإذا انكسر هذا العقد، لم يعد الاستقرار سوى مظهرٍ هش، يخفي تحته قلقًا عميقًا يتسع مع كل عامٍ يمضي.
لقد أنتجت سنوات التمكين نموذجًا معقدًا من السيطرة المؤسسية، لم يتوقف عند حدود الجهاز التنفيذي، بل امتد، بصورةٍ تدريجية، إلى مفاصل الدولة الحساسة، بحيث أصبحت المؤسسة العسكرية نفسها موضوعًا دائمًا للجدل حول استقلاليتها وحدود تأثير الفاعلين السياسيين داخلها. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد بيانات النفي والاستنكار كافيةً لإقناع الرأي العام، لأن التجربة الطويلة علمت الناس أن اللغة الرسمية كثيرًا ما تُستخدم ستارًا لإخفاء ما يجري خلف الأبواب المغلقة، وأن الممارسة الفعلية، لا الخطاب المعلن، هي التي تُحدد ملامح السلطة الحقيقية، وترسم حدود النفوذ داخل الدولة.
وفي موازاة هذا التمدد المؤسسي، أخذت الفكرة الأخلاقية التي رُفعت يومًا شعارًا لهذا المشروع تتآكل، لا بفعل خصومها، بل بفعل ممارساتٍ تناقض جوهرها. فقد تحول الخطاب الديني، في كثيرٍ من الأحيان، من منظومة قيمٍ تضبط السلوك العام، إلى أداة تبريرٍ تُستدعى كلما استدعت الحاجة تغطية اختلالٍ سياسي أو اقتصادي. ومع اتساع دائرة الامتيازات، وتراكم الثروات داخل فئاتٍ محددة، بدأ التناقض يظهر بوضوحٍ صارخ بين خطاب الزهد المعلن، وواقع الثراء المتسارع الذي شهده بعض المنتسبين إلى المشروع، حتى صار الفقر، لا بوصفه حالةً اقتصادية فحسب، بل بوصفه تجربةً يوميةً قاسية، هو القاسم المشترك بين قطاعاتٍ واسعةٍ من المواطنين.
لقد كان السودان، ولا يزال، وطنًا غنيًا بتنوعه الإنساني والثقافي، بتعدد لغاته ولهجاته، وبامتداد ذاكرته من ضفاف النيل إلى تخوم السافنا، ومن حكايات البادية إلى إيقاع المدن التي تشكلت عبر قرونٍ من التلاقي والتمازج. وهو بلدٌ لم يُبْنَ على لونٍ واحد، ولا على فكرةٍ واحدة، بل على طبقاتٍ متراكمة من التعايش، صنعت من اختلافه مصدر قوةٍ لا موضع ضعف. غير أن السياسات الرعناء، والرؤى الضيقة، والأيديولوجيا التي تحولت من فكرةٍ إلى أداةٍ للهيمنة، دفعت بهذا الوطن، تدريجيًا، إلى حافة الهشاشة، حتى بدا في كثيرٍ من اللحظات كأنه دولة بلا مقومات الدولة، دولة تتآكل من داخلها، لا بفعل العوامل الخارجية وحدها، بل بفعل اختلالاتٍ داخلية تراكمت دون مساءلةٍ حقيقية، ودون شجاعةٍ كافية للاعتراف بالأخطاء قبل أن تستفحل نتائجها.
ومع تصاعد الضغوط الدولية، وتكاثر التصنيفات السياسية التي وضعت المشروع تحت مجهر المراجعة، لم يعد الواقع قابلًا للتجميل الخطابي أو المعالجة بالشعارات. فقد خرج من داخل التجربة نفسها من كانوا يومًا من أكثر المنخرطين فيها، يحملون شهاداتٍ نقدية عميقة، تكشف حجم التناقضات التي تراكمت عبر السنين، وتؤكد أن الفشل لم يكن طارئًا أو وليد لحظةٍ عابرة، بل كان نتيجةً طبيعية لمسارٍ طويل من اختزال الدولة في فكرة، واختزال الوطن في جماعة، واختزال السياسة في دائرةٍ مغلقة لا تسمح بدخول الأسئلة الصعبة، ولا تعترف بالحاجة إلى مراجعاتٍ حقيقية.
وفي نهاية هذه السيرة الثقيلة، لا يعود السؤال متعلقًا بمصير مشروعٍ سياسي بعينه، بقدر ما يصبح متعلقًا بمصير وطنٍ كامل، وبقدرة شعبه على إعادة بناء فكرة الدولة من جديد، على أسسٍ تتجاوز الأيديولوجيا الضيقة، وتعيد الاعتبار للمواطنة بوصفها القيمة العليا التي لا تعلو عليها انتماءاتٌ أخرى. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالأماني، بل تُصان بالمؤسسات، وتُحمى بالعدالة، وتزدهر حين يشعر كل فردٍ فيها أن له نصيبًا متساويًا من الكرامة والفرص، وأن الدولة ليست سلطةً فوقه، بل عقدًا يحميه، وإطارًا يمنحه حق الانتماء دون خوفٍ أو تمييز.
وهكذا تنتهي سيرة الوعد حين يتحول إلى خواء، لا لأن الفكرة في ذاتها كانت مستحيلة، بل لأن الممارسة التي حملتها كانت أضيق من الوطن، وأثقل من قدرة الدولة على الاحتمال. ويبقى السودان، رغم ما أصابه من إنهاكٍ وتصدع، أكبر من أي مشروعٍ عابر، وأوسع من أي جماعةٍ عابرة، وأعمق من أن يُختزل في تجربةٍ واحدة مهما طال زمنها. فالأوطان، حين تُرهقها الأخطاء، لا تموت، بل تنتظر لحظة الوعي التي تعيد إليها توازنها، ولحظة الشجاعة التي تعترف بما كان، لا لتندبه، بل لتتجاوزه. وسيظل السودان، بما يحمله من ذاكرةٍ ثقيلةٍ بالحكايات، وبما يختزنه من طاقاتٍ لم تُستثمر بعد، قادرًا — متى ما توفرت الإرادة الصادقة — على أن يفتح صفحةً جديدة، لا تُكتب فيها سيرة التمكين، بل تُكتب فيها سيرة الوطن وهو يستعيد نفسه، قطعةً قطعةً، من بين أنقاض الخيبات الطويلة، حتى يعود، كما كان ينبغي له دائمًا، وطنًا يتسع للجميع، ولا يضيق بأحد.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.