قرار إثيوبي بطرد السفير السوداني.. هل تدخل العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا مرحلة القطيعة؟

نورا عثمان

لم يكن القرار الإثيوبي بطرد السفير السوداني مجرد خطوة دبلوماسية عابرة يمكن احتواؤها عبر البيانات الرسمية أو التصريحات المقتضبة، بل بدا وكأنه مؤشر واضح على حجم التدهور الذي أصاب العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا خلال الفترة الأخيرة، في ظل حرب سودانية مفتوحة، واصطفافات إقليمية متشابكة، وأزمات حدودية وسياسية لم تجد طريقها للحل حتى الآن.

فالبلدان اللذان جمعتهما لعقود طويلة علاقات الجوار والتداخل الاجتماعي والمصالح الاقتصادية، يبدوان اليوم أقرب إلى حالة من انعدام الثقة المتبادل، خصوصاً مع تصاعد الخطاب السياسي والإعلامي، وتبادل الاتهامات بشأن ملفات الأمن والحدود والتدخلات الإقليمية. وجاء قرار طرد السفير ليكشف أن الأزمة تجاوزت مرحلة الخلاف التقليدي، لتدخل طوراً أكثر حساسية قد ينعكس على استقرار المنطقة بأكملها.

من المؤسف أن السودان، وهو يعيش واحدة من أسوأ الحروب في تاريخه، أصبح يفقد تدريجياً شبكة علاقاته الإقليمية بسبب سيطرة خطاب المواجهة والانفعال على إدارة السياسة الخارجية. فالدبلوماسية السودانية التي عُرفت تاريخياً بالهدوء والقدرة على بناء التوازنات، تبدو اليوم أسيرة للاستقطاب السياسي والعسكري، بينما تتراجع لغة المصالح المشتركة لصالح منطق التصعيد.

وفي المقابل، فإن إثيوبيا أيضاً لا يمكن إعفاؤها من مسؤولية هذا التوتر. فالعلاقة مع السودان ظلت مرتبطة دائماً بملفات شائكة، أبرزها قضية الفشقة، وسد النهضة، والتنافس الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي. ومع اندلاع الحرب في السودان، بدا أن أديس أبابا تتعامل بحذر شديد مع المشهد السوداني، خشية انتقال الفوضى إلى حدودها، أو التأثير على توازناتها الداخلية المعقدة.

لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط في طرد السفير، بل في الرسائل السياسية التي يحملها القرار. فحين تصل العلاقات بين دولتين جارتين إلى هذا المستوى من التوتر، فإن ذلك يعني أن قنوات الثقة بدأت تتآكل، وأن احتمالات التصعيد السياسي وربما الأمني تصبح أكثر حضوراً، خاصة في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية وصراعات ممتدة.

السودانيون اليوم لا يحتملون فتح جبهات عداء جديدة مع دول الجوار. فالحرب المستمرة منذ سنوات أرهقت الدولة، ودمرت الاقتصاد، ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء، بينما تتراجع الخدمات الأساسية بصورة كارثية. ولذلك فإن أي تصعيد دبلوماسي أو إقليمي ستكون كلفته مضاعفة على المواطن السوداني البسيط، الذي يدفع بالفعل ثمن الحرب والانهيار السياسي.

المطلوب الآن ليس تبادل الاتهامات أو الانفعال الإعلامي، بل العودة إلى لغة العقل والحوار. فالعلاقات بين السودان وإثيوبيا أكبر من خلاف سياسي عابر، والجغرافيا تفرض على البلدين التعاون مهما بلغت حدة التوتر. كما أن استقرار القرن الأفريقي لن يتحقق في ظل صدام مستمر بين دولتين تمثلان ثقلاً مهماً في المنطقة.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان في هذه المرحلة هو أن يتحول إلى دولة معزولة إقليمياً، غارقة في الحرب والصراعات الخارجية في آن واحد. لذلك فإن الحكمة السياسية تقتضي إعادة بناء الجسور مع دول الجوار، وتغليب منطق المصالح المشتركة على حساب الحسابات الضيقة وخطابات التصعيد.

فالحروب لا تُدار بالشعارات، والعلاقات بين الدول لا تُبنى بالغضب، بل بالقدرة على حماية المصالح الوطنية وتجنب الانزلاق نحو مزيد من الأزمات التي يدفع ثمنها الشعوب دائما

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.