هل خلافات البرهان مع الشعب والمجتمع الدولي وجنرالات النظام والحركات المسلحة تعجل برحيله؟

بكري الصائغ

من منا لم يلمس بعد مراقبة متانية ودقيقة في “مسالة شخصية البرهان”، انه يعاني من مرض “حب السلطة المطلقة” – Amor absolutae” potestatis”، ويعتقد في قرارة نفسه إنه داهية لا مثيل له في البلاد، ويملك الذكاء الخارق للعادة والفطنة وحسن التصرف، ويستطيع بكل مهارة أن يمارس في وقت واحد فنون العسكرية والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية بدون مساعدة الأخرين او الاستعانة بمستشارين، وأن يدير دولاب الدولة بكل لباقة، ويقوم بالإشراف على الجهاز الإداري والتنفيذي للبلاد بمهنية عالية، وإنه هو وحده -ولا أحد غيره- عنده القدرة مثله على حل المشاكل والانشقاقات التي ضربت كل ربوع البلاد، وإن يستطيع وقف المجازر والتصفيات الجسدية والنزاعات القبلية، البرهان عنده أصبح عنده إعتقاد جازم اشبه بالهوس سيطر عليه بقوة، أنه أحق من غيره -رغم انف الجميع وغصب عن أيا من كان-، يكون رئيسآ منفردا للبلاد، ويجمع في يده كل صلاحيات رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، ويستطيع حكم السودان الممزق منفردا بسلطات مطلقة دون أن ينافسه شريك عسكري او مدني.
من راقب بدقة تسلسل الأحداث الكبيرة التي وقعت في الشهور القليلة الماضية في هذا العام الحالي، يجد أن جملة من المشاكل الكبيرة العويصة قد نزلت كالصواعق على رأس البرهان دفعة واحدة، وهي اصلا كانت مشاكل متوقع حدوثها، بسبب أن البرهان – يدري او من غير أن يدري-، قد فتح أبواب الجحيم علي نفسه، وبدأت أولي المشاكل عندما اختلف مع “جماعة الأخوان” والذي هو واحد منهم، ولم يقف موقف ثابت في قضية الانتماء الديني، فهو من اجل ارضاء المجتمع الدولي الذي يكره التطرف السياسي والديني، قام (نظريا) بمهاجمة “الحركة الاسلامية” و”جماعة الاخوان”، ولكن (عمليا) ما تخلي عنهم خوفا من فقد السلطة التي هي مملوكة فعلا للتنظيمات الاسلامية، وبسبب هذا التذبذب وعدم الثبات في المواقف مع الإسلاميين، جر البرهان على نفسه خلافات لم تحسم بعد، وهي بحق وحقيق خلافات عميقة قد تؤدي به الى مصير مظلم يلحقه بأسرته في تركيا.
أكبر مشكلة يعاني منها البرهان اليوم يؤرقه كثيرا، مسألة كيفية إقناع الرأي العالمي، إنه بالفعل لا يرغب فى استمرار الحرب ويسعى للسلام الدائم، وعلى استعداد للحوار مع عدوه اللدود “حميدتي”، ولكن أن يأتي السلام بشروطه هو وليس بشروط حكومات الدول الأجنبية ومنظمة الأمم المتحدة و”اللجنة الرباعية”:(المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، ومصر)، ورغم أن الحرب قد أكملت عامها الثالث واشتدت اكثر حدة بدخول المسيرات التي أحالت السودان إلى جحيم، وخسر الشعب الطرفان المتقاتلان” الكثير، مازال البرهان يراوغ بشدة، وفي كل مرة يجد الاعذار لاستمرارية الحرب، ولم يعد يخفي علي احد، ان اكبر ما يقلق البرهان، إنه في حال توقف الحرب وعودة السلام للبلاد واستتاب الامن، قد يتعرض فى المستقبل للاعتقال والمحاسبة، اسوة بالجنرالين عمر البشير وعبدالرحيم حسين، وتقديمه للمحاكمة بتهم الابادة والتصفيات الجسدية وانتهاكات حقوق الانسان، البرهان يعرف حق المعرفة، أن المماطلة في وقف الحرب، وعدم تسليم السلطة للمكون المدني بحسب “الاتفاق الاطاري”، قد يعرضه للتنحي مرغما مثل سابقه بن عوف.
واحدة من أكبر الأخطاء الكبيرة التي ارتكبها البرهان في الآونة الاخيرة، إنه سعي بكل جهده زج دول أجنبية في الشأن السوداني، ومن طالع أخبار الصحف السودانية والاجنبية خلال الفترة من أول يناير ٢٠٢٥ حتى اليوم، يجد أن كثير من الحكومات الاجنبية، قد أصبح عندها تدخل واضح في شأن كل ما يخص السودان، بدء من امريكا التي وضعت البرهان و”حميدتي” وعبدالرحيم دقلو وعلي كرتي وآخرين في القائمة بالسوداء، ومرورا اخبار مصر وتركيا وإيران واوكرانيا، والسعودية والبحرين وباكستان، وانتهاء بارتيريا التي تدرب جنود سودانيين لصالح الجيش السوداني، وأخبار دولة اثيوبيا التي احتضنت ضباط وجنود تابعين لقوات “الدعم السريع”.
جاء في إحدى صحف الخليج، أن عدد الدول الاجنبية المشاركة في حرب السودان-بطريق مباشر أو غير مباشر-، قد وصل عددها الى (٢٢) دولة، و(٩) مليشيات اجنبية اجنبية اشهرها “جيش حفتر”، و”مجموعة فاغنر” الروسية.، وافادت الصحيفة الخليجية، أن أجهزة الدولة العليا (مجلس السيادة، والسلطات الحاكمة في النظام ، والحكومة الانتقالية والقوات المسلحة، والمؤسسة العسكرية) كلها أجهزة ماعادت عندها كلمة في شأن الحرب، وأصبحت تشكل هي عوامل قد تعجل برحيل البرهان.
واحدة من أكبر المشاكل المزمنة التي يعاني منها البرهان، ولم يستطع أن يتفاداه او يخفف من حدتها، ذلك الهجوم الضاري والسخط العارم الذي انصب عليه محليآ ودوليآ بسبب العنصرية التى فاقت كل الحدود، يمارسها علانية ضد سكان دارفور وكردفان وجبال النوبة والبالغ عددهم (١٨) مليون نسمة.- ملحوظة:(تشير التقديرات السكانية الحديثة إلى أن إجمالي عدد سكان إقليم دارفور يبلغ حوالي “٧،٥٧” إلى “٨” ملايين نسمة، بينما يتراوح عدد سكان إقليم كردفان حول (٥،٥) مليون نسمة. أما منطقة جبال النوبة ، فيقدر عدد سكانها بنحو (٤،٥) مليون نسمة، نصفهم تقريباً يعيشون في ولاية جنوب كردفان.)، هذه العنصرية ضد المواطنين والتي لم تعد تخفى علي أحد، كتبت عنها الصحف السودانية والاجنبية ومواقع التواصل الكثير المثير، وكيف أن القوات المسلحة قد استعملت المسيرات والصواريخ وبراميل البارود ضد السكان الابرياء العزل، وأن البرهان ومن معه في السلطة علي علم تام باستعمال القوات المسلحة أسلحة كيميائية محظورة دوليا، اثرت بشكل واضح على المواطنين.
العنصرية البغيضة التي يمارسها البرهان ضد سكان الغرب ودارفور وجبال النوبة، جعلتهم يكنون كراهية ومقت ضده وضد السلطة الحاكمة فى بورتسودان، البرهان لم يعد عنده أي رصيد شعبي في هذه الولايات، لقد خسر البرهان محبة واحترام (١٨) مليون نسمة، كان يمكن وأن يكونوا خير عون وسند له خلال الفترة الانتقالية، هذه العنصرية وما فيها من انتهاكات وقتل وتشريد، أصبحت بلا جدال، من العوامل الاساسية التي تساهم بقوة في الاطاحة به شاء ام ابي، وما اسباب خلع الرئيس المخلوع والتي تشابهها اسباب البرهان ببعيدة عن الاذهان.

لو استعرضنا المشاكل والصعوبات التي تواجه البرهان في الوقت الحالي، لوجدناها لا تقف فقط عند الخلافات مع الاسلاميين، ومع الدارفوريين وسكان جبال النوبة والكردفانيين، فهناك أيضا الحركات المسلحة الكثيرة العدد وتملك العدة والعتاد القوي، قويت شوكتها بعد توقيع الاتفاق الاطاري ، وما عادت تهتم بالانضباط العسكري ولا التقييد بالنظم واللوائح العسكرية التي تصدرها القوات المسلحة، بل وصلت قمة الفوضي، ظهور أسواق تبيع جهارا نهارا رتب عسكرية مختلفة، واختلط حابل الجنود الرسميين بنابل الجنود المزيفين، بل وصل الامر – كما طالعنا في الصحف- الى وقوع اشتباكات مسلحة في كثير من المرات بينهم، استدعى تدخل القيادات العسكرية في القوات المسلحة.

ومما زاد الطين بلة، ان القوات التي انشقت أخيرا من قوات “الدعم السريع “، قد وصلت الى الخرطوم وعسكرت فيها بصورة شرعية في انتظار الحصول على نصيبها من “كعكة” السلطة، وهكذا أصبحت العاصمة أكبر ثكنة عسكرية فى البلاد.. وحتما لن يجد البرهان عندها أي عون وسند فى المستقبل، فإما ان يلبي رغباتها او يتنحى.
وكانت الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية «سلام جوبا»، قد قالت في يوم١٩/ أغسطس ٢٠٢٥ إنها «غير معنية» بتنفيذ القرارات الصادرة من رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، بإخضاع القوات المساندة له في الحرب إمرة القوات المسلحة.

حاولت السلطة الحاكمة في بورتسودان أن تخفي عن العيون، أحداث كثيرة هامة تتعلق بالخلافات التى تعاني منها، لكن ولأنها أحداث قوية فقد خرجت للعلن ونشرت بالصحف، وعرفنا أن هناك خلافات حادة وقوية بين البرهان وكباشي، وكيف أن البرهان تعمد تهميشه لصالح ياسر العطا (الإخواني)، وقرأنا تعليقات كثيرة نشرت في مواقع التواصل أفادت، أن السبب عنصري بالدرجة الاولي، وأن البرهان لبى رغبة ياسر وابعد كباشي ، وتم تعيينه فى وظيفة أقل بكثير من وظيفته الاولي.
قرأنا بالصحف عن مشكلة البرهان مع وزير المالية إبراهيم جبريل، وأن البرهان قرر عزله من منصبه بسبب دخول اسمه (جبريل) في القائمة السوداء الامريكية، وعليه، لن يجد جبريل أي تواصل او تلقي دعوات للمشاركة في المؤتمرات الاقتصادية الدولية، ولكن البرهان اصطدم برفض جبريل العزل من منصبه، وكلنا على علم تام أن البرهان يخشي كثيرا قوة جبريل العسكرية ومكانته فى السلطة بحسب الاتفاق الاطاري، لهذا لم يجد البرهان غير السكوت على مضض، لانه يعرف أن جبريل يمكن أن ينقلب عليه وربما يطيح به.. وأيضا هناك مشاكل ظهرت أخيرا بسبب قرارات اصدرها البرهان تمس سلطات بعض المقربين منه، ومنهم عقار ومناوي، وكلها عوامل قوية تزيد من اقتراب البرهان بسرعة البرق نحو التنحى الاختياري او العزل بالقوة.

قال الشاعر طرفة بن العبد:-
ستُبْدي لكَ الأيّامُ ما كنتَ جاهلاً ويأتِيكَ بالأخبارِ مَن لم تُزَوِّدِ

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.