زيارة قائد “أفريكوم” إلى أديس أبابا هل تخسر الخرطوم موقعها الإقليمي لصالح إثيوبيا؟

تقرير عين الحقيقة

تتزايد مؤشرات التوتر بين السودان وإثيوبيا في ظل تحولات إقليمية متسارعة، أعادت فتح ملفات النفوذ والأمن والتحالفات في منطقة القرن الإفريقي. وجاءت زيارة قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم” إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لتضيف مزيدًا من القلق داخل دوائر القرار السودانية، التي باتت تنظر إلى تنامي الدور الإثيوبي باعتباره تحديًا مباشرًا لموقع الخرطوم في معادلات الإقليم. ويأتي ذلك بالتزامن مع أزمة دبلوماسية متصاعدة بين البلدين، عقب قرار إثيوبيا طرد السفير السوداني، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا إضافيًا على اتساع فجوة الثقة بين الجانبين.

ترى الحكومة السودانية أن إثيوبيا تحاول استثمار حالة الانشغال السوداني بالحرب الداخلية لتعزيز حضورها السياسي والأمني في الملف السوداني..

الخرطوم تشعر بالعزلة

بحسب قراءات سياسية متداولة، ترى الحكومة السودانية أن إثيوبيا تحاول استثمار حالة الانشغال السوداني بالحرب الداخلية لتعزيز حضورها السياسي والأمني في الملف السوداني. وتشير تقارير إلى أن أديس أبابا كثفت خلال الأشهر الماضية تحركاتها الإقليمية، عبر استضافة اجتماعات دبلوماسية وفتح قنوات اتصال مع أطراف سودانية وقوى دولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ويقول الباحث في العلاقات الدولية الدكتور أحمد التجاني: “الخرطوم تشعر بأنها فقدت جزءًا كبيرًا من قدرتها على التأثير الإقليمي نتيجة الحرب، بينما تتحرك إثيوبيا لملء هذا الفراغ”.

“أفريكوم” والرسائل الأمنية

أثارت زيارة قائد “أفريكوم” إلى إثيوبيا اهتمامًا واسعًا في الأوساط السودانية، خاصة في ظل التوقيت الحساس الذي جاءت فيه. فالقيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا تُعد أحد أهم أدوات واشنطن في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية بالقارة، ما جعل الزيارة تُقرأ داخل الخرطوم باعتبارها مؤشرًا على تنامي التعاون الأمني بين الولايات المتحدة وإثيوبيا. لكن واشنطن، وفق تصريحات رسمية، تنظر إلى تحركاتها في المنطقة باعتبارها جزءًا من جهود دعم الاستقرار الإقليمي ومنع اتساع النزاعات المسلحة. ويقول الخبير في شؤون القرن الإفريقي حسن إدريس: “هناك فجوة واضحة في فهم طبيعة التحركات الأمريكية. السودان يراها اصطفافًا سياسيًا وأمنيًا مع إثيوبيا، بينما تقدمها واشنطن كجزء من مقاربة أوسع للاستقرار الإقليمي”. إثيوبيا كلاعب رئيسي في الأزمة السودانية

خلال الفترة الأخيرة، برزت إثيوبيا بصورة متزايدة في النقاشات المتعلقة بمستقبل الأزمة السودانية، سواء عبر الوساطات السياسية أو الاتصالات مع القوى الدولية. ويرى مراقبون أن أديس أبابا تحاول تقديم نفسها كشريك إقليمي قادر على لعب دور محوري في احتواء تداعيات الحرب السودانية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وثقلها السياسي في الاتحاد الإفريقي. كما أن العلاقات المتشعبة التي تربط إثيوبيا بدول الجوار والقوى الدولية تمنحها مساحة حركة أوسع مقارنة بالخرطوم المنشغلة بصراعاتها الداخلية.

محللون أن الأزمة لا تتعلق فقط بالتحركات الإثيوبية، بل أيضًا بتراجع الأداء الدبلوماسي السوداني خلال فترة الحرب. فمع انتقال مؤسسات الدولة إلى بورتسودان وتراجع النشاط الخارجي، فقد السودان جزءًا من حضوره التقليدي في ملفات القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

السودان والحضور الدبلوماسي المتراجع

يرى محللون أن الأزمة لا تتعلق فقط بالتحركات الإثيوبية، بل أيضًا بتراجع الأداء الدبلوماسي السوداني خلال فترة الحرب. فمع انتقال مؤسسات الدولة إلى بورتسودان وتراجع النشاط الخارجي، فقد السودان جزءًا من حضوره التقليدي في ملفات القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وتقول الباحثة السياسية إسراء عثمان: “الحرب أضعفت قدرة السودان على إدارة علاقاته الخارجية بفاعلية، وفتحت المجال أمام قوى إقليمية أخرى لتعزيز نفوذها”. مخاوف من ترتيبات تتجاوز الخرطوم تخشى دوائر سودانية، بحسب مراقبين، من أن يؤدي تنامي الدور الإثيوبي إلى تجاوز الخرطوم في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة تتعلق بمستقبل السودان. وتزداد هذه المخاوف مع تصاعد الاتصالات الدولية المرتبطة بالحرب، والحديث عن مقاربات إقليمية جديدة لإدارة الأزمة السودانية. كما تخشى الحكومة السودانية من أن تتحول إثيوبيا إلى بوابة رئيسية للتواصل الدولي مع الملف السوداني، بما يقلل من قدرة الخرطوم على التحكم في مسارات التفاوض والتسوية.

واشنطن وأديس أبابا… تقارب محسوب؟

زاد من حساسية الموقف السوداني الحديث عن مباحثات جمعت وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ونظيره الإثيوبي، تناولت تطورات الأوضاع في شرق إفريقيا والحرب في السودان. وأكدت واشنطن، وفق بيانات رسمية، أهمية الدور الإثيوبي في جهود خفض التصعيد ومنع اتساع النزاعات في المنطقة. ويرى مراقبون أن الولايات المتحدة تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها شريكًا إقليميًا مهمًا في ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب والاستقرار في القرن الإفريقي.

شبح “الصراع الإقليمي”

تخشى الخرطوم من أن تتحول الأزمة السودانية تدريجيًا إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوح، خصوصًا مع تزايد تدخلات دول الجوار وتداخل الملفات الأمنية والسياسية. ويقول الباحث يوسف عبد الله: “الحرب السودانية لم تعد أزمة داخلية فقط، بل أصبحت جزءًا من معادلات النفوذ الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي”. كما يحذر خبراء من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من الاستقطاب بين دول المنطقة، وربما إلى تدخلات غير مباشرة عبر دعم أطراف محلية أو ترتيبات أمنية جديدة.

ملفات عالقة تزيد التوتر

لا تنفصل الأزمة الحالية عن ملفات الخلاف التاريخية بين السودان وإثيوبيا، وعلى رأسها: أزمة سد النهضة. النزاع الحدودي في الفشقة. التنافس على النفوذ في القرن الإفريقي. الهواجس الأمنية المتبادلة. ويرى مراقبون أن الحرب السودانية أعادت تنشيط هذه الملفات بدلًا من تجميدها.

هل تتغير موازين النفوذ في القرن الإفريقي؟

يرى محللون أن التحولات الحالية قد تؤدي إلى إعادة رسم موازين القوة في المنطقة، خاصة إذا استمرت الحرب في السودان لفترة أطول. فإثيوبيا تسعى إلى تعزيز موقعها الإقليمي رغم أزماتها الداخلية، بينما يعاني السودان من تآكل نفوذه التقليدي نتيجة الانقسام والحرب. تكشف زيارة قائد “أفريكوم” إلى أديس أبابا حجم التحولات التي يشهدها القرن الإفريقي، حيث تتقاطع الحسابات الأمنية مع الصراعات السياسية والتحالفات الدولية.

وفي ظل استمرار الحرب السودانية، تبدو الخرطوم أكثر قلقًا من أي وقت مضى من احتمال خسارة موقعها الإقليمي لصالح إثيوبيا، بينما تظل المنطقة بأكملها مفتوحة على احتمالات تصعيد جديدة قد تتجاوز حدود الخلافات التقليدية بين البلدين

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.