ظلال الحركة.. قراءة في علاقة الإسلاميين بمشهد الحرب في السودان

تقرير: عين الحقيقة

بينما يحرص قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان على الظهور بزيّ القائد الميداني الذي يتجوّل وسط المدنيين ببساطة في شوارع الخرطوم، ترسم تقارير استخباراتية وتقاطعات سياسية صورة مغايرة تماماً لما يجري داخل «غرف صناعة القرار». فخلف هذه الواجهة الشعبوية، تتصاعد المؤشرات على أن «المطبخ السياسي» ليس عسكرياً خالصاً، بل هو تحالف عميق يعيد إحياء مفاصل «الدولة العميقة» التابعة للحركة الإسلامية، وإعادة توظيفها في إدارة المشهد السياسي والعسكري.

مصادر: مراكز الدراسات والتخطيط التي كانت تدير نظام البشير لم تختفِ، بل «انكمشت» تكتيكياً، لتعود اليوم كظهير استراتيجي للجيش..

واجهة عسكرية.. ومحرك أيديولوجي

يرى محللون أن الحالة التي يعيشها السودان اليوم ليست مجرد «فراغ سياسي» كما يُشاع، بل عملية «إحلال منظّم». فبينما تتصدر الوجوه العسكرية واجهة الأحداث، تبرز بصمات التنظيم الإسلامي (الإخوان المسلمون) في توجيه الخطاب الإعلامي وتعبئة القواعد تحت لافتة «المقاومة الشعبية». وتشير مصادر مطلعة إلى أن مراكز الدراسات والتخطيط التي كانت تدير نظام البشير لم تختفِ، بل «انكمشت» تكتيكياً، لتعود اليوم كظهير استراتيجي للجيش، يضع للبرهان تصورات وخططاً سياسية تضمن إقصاء الخصوم المدنيين تحت غطاء «الضرورة الأمنية».

تجميد الكباشي.. مناورة أم إقصاء؟

يُعدّ تحجيم دور الفريق شمس الدين الكباشي سياسياً نقطة تحوّل مفصلية. فالرجل، الذي عُرف ببراغماتيته وقدرته على التواصل مع القوى المدنية والتفاوض والعمل السياسي، بات يُنظر إليه كعقبة أمام تيار الإسلاميين داخل المنظومة المرتبطة بالحركة الإسلامية.

وتفسّر أوساط سياسية دفع الكباشي نحو الملفات العسكرية البحتة بأنه محاولة لتجفيف منابع «الاعتدال السياسي» داخل مجلس السيادة، وإفساح المجال لتيار الفريق ياسر العطا، الذي يتبنى لغة تتناغم مع أدبيات الإسلاميين في الحسم العسكري ورفض التفاوض، ما يعزّز فرضية تزايد نفوذ التيارات الأيديولوجية داخل دوائر القرار العسكري، لصالح أجندة لا تؤمن بالانتقال المدني.

دبلوماسية العربة البوكس.. صناعة الصورة الجديدة

التحركات التي تبدو عفوية للبرهان في أحياء الخرطوم، ودخوله المقاهي، ليست مجرد كسر للبروتوكول، بل «هندسة صورة» تهدف إلى استنساخ نموذج القائد الذي يستمد شرعيته من «التفويض الشعبي» المباشر، متجاوزاً الأحزاب والنقابات. ويرى خبراء أن هذه الاستراتيجية تمثل أسلوباً سياسياً يهدف إلى صناعة «شرعية بديلة»، تمنح بقاء العسكر في السلطة غطاءً سياسياً وشعبياً لسنوات طويلة تحت دعاوى إعادة الإعمار وحفظ الأمن، بما يغلق الباب نهائياً أمام أي عودة لمسار التحول الديمقراطي الذي وأده انقلاب أكتوبر.

يقود الفريق إبراهيم جابر ما يشبه «حكومة ظل» تركّز على السيطرة على الموارد الحيوية وتهيئة العاصمة، ليس فقط لعودة المواطنين، بل أيضاً لعودة «جهاز الدولة القديم» بكامل طاقمه..

تكنوقراط الحرب وتأمين الموارد

في المسار التنفيذي، يقود الفريق إبراهيم جابر ما يشبه «حكومة ظل» تركّز على السيطرة على الموارد الحيوية وتهيئة العاصمة، ليس فقط لعودة المواطنين، بل أيضاً لعودة «جهاز الدولة القديم» بكامل طاقمه. وتثير إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية، في ظل غياب الرقابة المدنية، مخاوف من إعادة بناء الإمبراطوريات المالية التابعة للتنظيمات الإسلامية تحت لافتة «المجهود الحربي».

ويبدو أن السودان لا يُدار بقرارات مرتجلة، بل وفق خطة «نَفَس طويل» تهدف إلى إنهاك القوى المدنية وتحويل الحرب إلى أداة لإعادة هندسة المجتمع والدولة. وفي هذا المشهد، يبدو البرهان كـ«رأس حربة» لمشروع أكبر يسعى إلى استعادة السلطة التي فُقدت في أبريل 2019، ولكن هذه المرة بصبغة عسكرية فجة وشرعية تستند إلى الواقع العسكري والميداني، وصور «السيلفي» وسط الأنقاض.

في ظل هذا المشهد المعقّد، تبدو الحرب في السودان أبعد من كونها مواجهة عسكرية تقليدية؛ إذ تحوّلت إلى ساحة لإعادة تشكيل موازين السلطة وإحياء شبكات النفوذ القديمة تحت غطاء المعركة الوطنية. وبينما تتراجع فرص التسوية السياسية وتتسع هوة الثقة بين المكونات المدنية والعسكرية، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يقود السودان نحو استقرار حقيقي، أم نحو إعادة إنتاج الأزمة ذاتها بوجوه وأساليب جديدة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.