منذ وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة في البلاد عام 1989، عبر انقلاب عسكري غيّر مسار الدولة والمجتمع، بدأت ملامح مشروع سياسي- اقتصادي مغاير في التشكل. وخلال ثلاثة عقود من الحكم، عملت الحركة على إعادة صياغة بنية الدولة وفق رؤية أيديولوجية، ارتكزت على ما عُرف بسياسة «التمكين»، والتي، بحسب ما رصدته «عين الحقيقة» في تقاريرها وتحليلاتها، لم تكن مجرد إعادة توزيع للوظائف، بل مشروعاً متكاملاً لإحكام السيطرة على مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية.
الحركة الإسلامية، منذ السنوات الأولى لحكمها، سعت إلى بناء شبكة نفوذ موازية داخل الدولة، تقوم على الولاء التنظيمي أكثر من الكفاءة المهنية..
يقول محلل سياسي فضل حجب اسمه، لـ«عين الحقيقة»، إن الحركة الإسلامية، منذ السنوات الأولى لحكمها، سعت إلى بناء شبكة نفوذ موازية داخل الدولة، تقوم على الولاء التنظيمي أكثر من الكفاءة المهنية، وهو ما أدى إلى إضعاف المؤسسات الرسمية لصالح مراكز قوى غير معلنة. تشير المعلومات التي وثقتها «عين الحقيقة»، استناداً إلى شهادات خبراء ومراقبين، إلى أن سياسة التمكين شملت قطاعات واسعة من الخدمة المدنية، والقوات النظامية، الجيش والشرطة والمخابرات العامة، والمؤسسات الاقتصادية.
وقد تم خلال تلك الفترة إحلال كوادر موالية في مواقع حساسة، مع إقصاء منهجي لغير المنتمين أو غير المتوافقين مع الخط الأيديولوجي للحركة. ويؤكد خبير إداري أن ما جرى لم يكن إصلاحاً إدارياً، بل إعادة هندسة للدولة على أسس تنظيمية، حيث أصبحت بعض المؤسسات تُدار فعلياً من خارج هياكلها الرسمية.
خلال سنوات الحكم، برز ما يُعرف بـ«الاقتصاد الموازي»، حيث تم إنشاء شبكة من الشركات والواجهات الاستثمارية المرتبطة بالحركة الإسلامية. ووفقاً لما توصلت إليه «عين الحقيقة» من معلومات وتقارير، فقد حصلت هذه الكيانات على امتيازات في قطاعات استراتيجية مثل النفط، والتعدين، والاتصالات، دون رقابة كافية أو منافسة شفافة.
ويقول خبير اقتصادي، لـ«عين الحقيقة»، إن غياب الشفافية في منح العقود، إلى جانب تداخل المصالح بين المسؤولين التنفيذيين وهذه الشركات، خلق بيئة مواتية لانتشار الفساد المؤسسي، مضيفاً أن «تلك الممارسات أسهمت في إضعاف الاقتصاد الوطني، وحرمان الخزينة العامة من موارد كبيرة». وفي ضوء ذلك، أشارت إفادات المحللين إلى أن الحركة الإسلامية اعتمدت، خلال فترة حكمها، على أذرع موازية ذات طابع أمني وتنظيمي، خارج الأطر الرسمية للدولة.
ويقول محلل سياسي لـ«عين الحقيقة» إن هذا النمط من العمل أتاح للحركة هامشاً واسعاً للتحرك بعيداً عن المساءلة، كما ساعدها في حماية مصالحها السياسية والاقتصادية. واستطرد المحلل السياسي أن هذه الأذرع لعبت أدواراً متعددة، من بينها التأثير في التوازنات الداخلية، وممارسة ضغوط غير معلنة في سياقات مختلفة، وهو ما يعكس، بحسب المراقبين، طبيعة الدولة العميقة التي تشكلت خلال تلك العقود. إلى ذلك، اعتمدت الحركة الإسلامية، خلال عقود حكمها، على خطاب ديني سياسي لتبرير سياساتها، بما في ذلك سياسات الإقصاء والتمكين.
يحذر محللون من أن عدم معالجة هذا الإرث بشكل جذري قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الأنماط، حتى في ظل تغير الواجهات السياسية..
ويرى باحثون أن هذا الخطاب ساهم في خلق حالة من الاستقطاب الديني والاجتماعي، حيث تم ربط الولاء السياسي بالانتماء الديني، وهو ما أضعف من مفهوم المواطنة المتساوية. واستدرك الباحثون أن تسييس الدين خلال تلك المرحلة أدى إلى تشويه الخطاب العام، وتحويله إلى أداة للصراع السياسي، بدلاً من كونه مجالاً للتعدد والتسامح.
مع نهاية حكم الحركة الإسلامية في 2019، بواسطة ثورة ديسمبر المجيدة، بقيت آثار تلك السياسات ماثلة في بنية الدولة والمجتمع. وتشير تحليلات «عين الحقيقة» إلى أن تفكيك شبكات النفوذ التي تشكلت خلال ثلاثة عقود، لا يزال يمثل تحدياً كبيراً أمام أي مشروع لإعادة بناء الدولة.
ويحذر محللون من أن عدم معالجة هذا الإرث بشكل جذري قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الأنماط، حتى في ظل تغير الواجهات السياسية، مؤكدين أن الإصلاح الحقيقي يتطلب شفافية، ومحاسبة، وإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية.
تكشف قراءة تجربة الحركة الإسلامية في الحكم، كما وثقتها «عين الحقيقة»، عن نموذج معقد من تداخل السياسة بالاقتصاد، والأيديولوجيا بالإدارة. وبينما تختلف التقديرات حول حجم التأثير الذي لا تزال تمارسه هذه الشبكات، فإن الثابت، بحسب الخبراء، هو أن أي مسار نحو الاستقرار والديمقراطية، يمر عبر فهم هذا الإرث، والتعامل معه بجدية ومسؤولية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.