«عين الحقيقة» ترصد .. آليات تغلغل التنظيم الإسلامي في الجيش..؟

​تقرير ـ عين الحقيقة

​على مدى ثلاثة عقود من حكم تنظيم الحركة الإسلامية للسودان، خضعت القوات المسلحة لعملية هندسة اجتماعية وتنظيمية شاملة، استهدفت تحويلها من مؤسسة وطنية مهنية إلى ذراع عقائدي يحمي بقاء التنظيم في السلطة. ومع تطورات حرب السودان و ظهور التنظيم الإسلامي إلي العلن و قيادته الحرب ، يعود التساؤل حول هوية الجيش إلى الواجهة، وسط تقارير وتحليلات لخبراء عسكريين تشير إلى أن السيطرة الحالية لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج استراتيجية تمكين عميقة بدأت من القواعد صعوداً إلى قمة الهرم القيادي.

الكلية الحربية بوابة العبور الأيديولوجي الأولى لهذا المخطط، حيث بدأت رحلة السيطرة من نقطة الصفر منذ أوائل التسعينيات عبر تعديل معايير القبول لتتجاوز الكفاءة البدنية والذهنية وتستقر عند الولاء التنظيمي

و ​تعد الكلية الحربية بوابة العبور الأيديولوجي الأولى لهذا المخطط، حيث بدأت رحلة السيطرة من نقطة الصفر منذ أوائل التسعينيات عبر تعديل معايير القبول لتتجاوز الكفاءة البدنية والذهنية وتستقر عند الولاء التنظيمي. حيث يخضع المتقدمون لعمليات فحص أمني واجتماعي وتدقيق صارم من قبل أجهزة تابعة للتنظيم، لضمان أن يكون الطالب كادراً نشطاً في الحركة الإسلامية أو منحدراً من أسرة تدور في فلكها.

ورافق ذلك تغيير جذري في العقيدة القتالية، حيث جرى إحلال الفقه الجهادي محل العقيدة العسكرية الوطنية، وبدلاً من حماية الدستور والحدود، تم شحن الطلاب بعقيدة تعتبر التنظيم هو حامي الدين، مع تصوير القوى المدنية ككيانات معادية أو طابور خامس، كما زُرعت في عقول الضباط الجدد فكرة النخبوية العسكرية التي توهمهم بأن ضابط الجيش هو الأحق والأجدر بالوصاية على الدولة، وهي الركيزة النفسية التي تضمن استجابة الضباط لأوامر الانقلابات العسكرية وتبرير الانفراد بالسلطة.

​ولم يكتفِ التنظيم بالولاء السياسي الفوقي، بل أنشأ أذرعاً ناعمة داخل الثكنات تعمل كخلايا نحل تنظيمية تحت غطاء ديني واجتماعي ، و برزت في هذا السياق جمعيات القرآن الكريم داخل الكليات والثكنات، ليس كمنصات دعوية فحسب، بل كأدوات لرصد الضباط وفرز الولاءات وتمرير الرسائل التنظيمية بعيداً عن أعين الرقابة العسكرية التقليدية. وبالتوازي مع ذلك، استُخدم شيوخ ومنظرو الحركة الإسلامية لتقديم دروس ومحاضرات دينية مكثفة تهدف إلى دمج الطاعة العسكرية بـ “الطاعة التنظيمية العمياء”.

ملف تطهير الجيش من المسيسين يمثل العقبة الكأداء أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي في السودان

كما تحول ما يسمى بصندوق التكافل الاجتماعي التابع للقوات المسلحة من جهة خدمية إلى أداة للسيطرة المالية والارتباط المصلحي، حيث يتم دعم الموالين وتهميش المستقلين، مما جعل الترقي المهني والمادي مرتبطاً بمدى القرب من دوائر التنظيم.​وفيما يخص التغييرات في هيئة قيادة الجيش يرى مراقبون أن ما يطرأ على هيئة القيادة بين الحين والآخر ليس سوى عملية تجميلية أو “تدوير للمناصب” داخل الدائرة ذاتها، حيث صُمم الهيكل العسكري الحالي بطريقة تمنع صعود أي كادر لا يحمل الختم التنظيمي إلى الرتب الرفيعة. ويؤكد خبراء عسكريون أن إقالة جنرال وتعيين آخر لا يعني فك ارتباط الجيش بالحركة الإسلامية، لأن النظام المؤسسي من رتبة الملازم إلى الفريق تم تشريبه بذات الأيديولوجيا، مما يجعل أي تغيير لا يشمل القواعد عديم الجدوى.

و يؤكد مراقبون إن ملف تطهير الجيش من المسيسين يمثل العقبة الكأداء أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي في السودان، فالتنظيم الإسلامي لا يسيطر عبر أشخاص فحسب، بل عبر شبكة مصالح وعقيدة مشوهة غُرست على مدار عقود. ويرى المتخصصون أن إبعاد عناصر التنظيم يتطلب عملية إصلاح قطاع الأمن شاملة وجذرية، تبدأ من مراجعة مناهج الكلية الحربية وتنتهي بتعديل قوانين الخدمة العسكرية، لضمان عودة الجيش إلى ثكناته كحامٍ للوطن لا كحارس للتنظيم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.