حتي لا ننسي الخميس ١١/ أبريل ٢٠١٩: وأخر يوم للبشير في السلطة.

بكري الصائغ

بعد أن سجل رقماً قياسياً كأطول حكام السودان تربعاً على عرش السلطة، غابت شمس عمر البشير مع شروق شمس الحادي عشر من أبريل/ ٢٠١٩ ،نهاية عام ٢٠١٨، شهدت منصات التواصل الاجتماعي السوداني هاشتاغ “تسقط_بس”.، وما لبث الهاشتاغ أن بات شعاراً يرفعه كثير من المتظاهرين في السودان، وتطورات التظاهرات إلى مسيرات احتجاجية كبرى بسبب قرارات رفع أسعار الخبز الصادرة عن الحكومة. الجبهة التي تضم أنصار البشير رفعت شعار “تقعد بس”، في محاولة للجم الوضع الجديد. واصلت التظاهرات والاحتجاجات في السودان منذ ديسمبر ٢٠١٨ حتى / أبريل ٢٠١٩.
أفاق السودانيون في وقت مبكر من صبيحة يوم الحادي عشر من أبريل ٢٠١٩، على همس خافت بأن «الجيش قرر الانحياز للثوار المحيطين بمقر قيادته العامة، للطلب منه الانحياز لمطالبهم»، وإقالة رأس النظام عمر البشير، وإسقاط نظامه المدعوم من الإسلاميين، وإنهاء إحدى أطول الديكتاتوريات في الإقليم، لكن سرعان ما تحول الهمس إلى جهر حين بدأت الإذاعة الرسمية تبث موسيقى عسكرية، والإعلان عن «بيان مهم» يتلوه النائب الأول للرئيس، وزير الدفاع وقتها، الفريق أول عوض بن عوف، وهي علامة معروفة الدلالة بالنسبة للسودانيين.
تقاطر ملايين السودانيين إلى ساحات الاعتصام قرب القيادة العامة للجيش في الخرطوم، ومقرات فرق وألوية الجيش في الولايات الأخرى، بين مصدق ومكذب. هل نجحت ثورتهم وسقط «هُبل» أخيراً، وتخلصوا من ديكتاتورية دينية عاتية ظلت جاثمة على البلاد طوال 3 عقود، أحالت فيها البلاد إلى جحيم، وقتلت مئات الآلاف وشردت الملايين، وأفقدت البلاد ثلث مساحتها وسكانها بفصل جنوب السودان؟!!
ومن داخل كواليس «التغيير»، نقلت تقارير صحافية وقتها أن مدير جهاز الأمن والمخابرات، صلاح عبد الله (قوش)، أبلغ البشير عشية ١٠/ أبريل ، بأن الاعتصام خارج أسوار القيادة سيتم سحقه، لكن يبدو أنها كانت «خدعة». فما إن استيقظ من نومه حتى اكتشف تبديل حرسة الرئاسي، وأبلغه أحد الضباط من رتبة رفيعة أن اللجنة الأمنية التي شكلها البشير في آخر أيام عهده، من أخلص المقربين منه، برئاسة وزير دفاعه عوض بن عوف وقادة المخابرات والشرطة، قررت عزله لأنه فقد السيطرة على البلاد.
فرحة لم تكتمل:- وكان القائد العسكري البارز وقتها، وهو القائد الثاني لقوات «الدعم السريع»، قد أبلغ «الشرق الأوسط» في مقابلة معه في ٤/ مارس ٢٠٢١، بأن القادة العسكريين قرروا نتيجة لاشتداد الثورة «تنحية البشير»، وأنهم كلفوا رئيس جهاز المخابرات وقتها صلاح عبد الله (قوش) إبلاغ الرجل بالقرار، لكنه رفض تحت ذريعة أنه لا يريد «خيانة الرئيس»، بيد أنه اضطر لإبلاغه، لأن الخيار الذي كان متاحاً أمامه في حال رفضه هو السجن مع البشير. وفي حدود ظهيرة اليوم، تيقن «الثوار المعتصمون» أن «البشير ونظامه سقطا»، فسالت الدموع فرحاً لما عدّوه انتصاراً لثورتهم، وتبادلوا الأحضان والهتافات، وعلت زغاريد «الكنداكات»، ووزعت الحلوى والمعجنات. لكن، كما يقال، «يا فرحة لم تكتمل». فقد خرج عليهم عبر شاشة التلفزة الرسمية نائب البشير ووزير دفاعه عوض بن عوف، معلناً ما سماه «اقتلاع نظام البشير وتعليق الدستور».
أعلن بن عوف في خطاب قصير تولي الجيش المسؤولية في البلاد لفترة انتقالية مدتها سنتين، وفرض حالة طوارئ لثلاثة أشهر، وأعلن حظر التجوال، مع إغلاق المجال الجوي والمعابر الحدودية، وتكوين «مجلس عسكري انتقالي برئاسته، من أعضاء اللجنة الأمنية التي كونها البشير لحماية نظامه، ويغلب عليها الضباط الإسلاميون».
“تسقط تاني”:- لم تنطلِ العملية على قادة الثوار المرابطين خارج مقر القيادة العامة للجيش، فأعلنوا على الفور رفضهم لتحرك بن عوف وقراراته، وعدّوه محاولة لقطع الطريق على ثورتهم، وإعادة إنتاج نظام حكم الإسلاميين بوجوه جديدة، فهتفوا «تسقط تاني»…، عادّين تنحية البشير سقوطاً أول للنظام، وسقوط بن عوف ولجنته الأمنية سقوطاً ثانياً. وبعد أن كانوا يهتفون طوال أشهر «تسقط… تسقط… بس»، أصبح الهتاف الذي هز القيادة العسكرية «تسقط… تسقط… تاني».
ووصلت «اللجنة الأمنية» لقناعة بأن بن عوف لا يجد القبول الكافي من الثوار وقيادة الثورة، فاضطر الرجل للاستقالة صبيحة يوم ١٢/ أبريل ، بعد يوم واحد من تسميته رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي (اللجنة الأمنية)، وبذلك تكون فترة حكم بن عوف من أقصر فترات الحكم في السودان، بعد فترة حكم هاشم العطا، الذي حكم البلاد (٣) أيام فقط.
وأوردت تقارير صحافية إن بن عوف اتصل بحميدتي وأبلغه تنحيه عن الرئاسة، بشرط ألا يخلفه الضابط الإسلامي الشهير كمال عبد المعروف، واقترح بديلاً له الفريق عبد الفتاح البرهان، الذي كان يشغل منصب المفتش العام للجيش. وهكذا جاء البرهان، غير المعروف نسبياً، إلى المنصب الأول رئيساً للمجلس العسكري الانتقالي وللدولة، فاختار قائد «الدعم السريع» حميدتي نائباً له، وقال وقتها إنه ذهب إلى الرجل في مكتبه، وأبلغه بأن الأمور لا تسير بالصورة المطلوبة، وطلب منه أن يأتي معه. وتابع: «قلت حميدتي يا أخي إذا كنت ستسير معي، فأنا سأتولى زمام الأمور”، وبالرغم من أنه حميدتي كان قد أقسم بألا يذهب للقيادة، فإنني استطعت إقناعه، وأخذته معي للقيادة».
حقائق وراء الكواليس:- تمت إطاحة البشير «فنياً»، لكن تقارير متداولة قبل شهرين من الإطاحة به كانت تشير إلى وجود خطط سرية من قادة الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) ومرجعيته السياسية «الحركة الإسلامية» (الاسم السوداني لتنظيم الإخوان المسلمين) للتخلص من البشير، تنفذه «اللجنة الأمنية» المكونة من ضباط إسلاميين في الجيش والمخابرات، بجانب قائد «الدعم السريع». وذكرت «رويترز» وقتها، أن «قوش»، رئيس جهاز المخابرات، زار السجناء السياسيين وبينهم قادة حزبيون، وطلب منهم تأييد خطة من أجل نظام سياسي جديد، وإيجاد مخرج «كريم» للبشير بالتعاون مع دولة إقليمية، وهو ما دفع «قوش» للإعلان في مؤتمر صحافي في ٢٢/ فبراير ٢٠١٩، أن البشير سيتنحى عن رئاسة «حزب المؤتمر الوطني»، ولن يسعى لإعادة انتخابه في ٢٠٢٠. لكن البشير، وفي خطاب بثه التلفزيون الرسمي لاحقاً، قلل من أهمية تصريحات «قوش»، وعدّها مبالغة من الرجل.
وكان «حزب المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» ينويان التخلص من البشير، والاستمرار في الحكم عبر «اللجنة الأمنية». ونقلت «رويترز» عن «قوش» قوله: «إن البشير انتهى». لكن حسابات الإسلاميين ارتبكت بسبب إصرار المعتصمين أمام مقر القيادة، على تسليم السلطة للمدنيين وعودة الجيش لثكناته، ما دفع «اللجنة الأمنية» لـ«الانحناء للعاصفة»، وبدأت التخلص تدريجياً من بعض رموزها الكبار، مثل صلاح قوش، وبابكر الطيب، وجلال الشيخ وآخرين، واضطر العسكريون للدخول في تفاوض مع قادة الثوار من المدنيين على تقاسم السلطة، ووصلت المفاوضات إلى تقاسم السلطة بالتساوي (5+5).
البشير..تفاصيل اللحظات الأخيرة في قصر الرئاسة، وكيف تم اعتقال البشير؟!!.- بينما كان آلاف السودانيين يواصلون اعتصامهم خارج مقر القيادة العامة للقوات المسلحة، كانت إحدى القاعات بالداخل تحتدم بالنقاش، حيث يحاول كبار القادة في الجيش والمخابرات إقناع الرئيس عمر البشير بالتنحي. لكن حسب مصادر “سكاي نيوز عربية”، فإن البشير أبى أن يتنحى، وانسحب في الساعات الأولى من صباح الخميس، من الاجتماع الذي علمت وسائل إعلام بمواصلة انعقاده دون الرئيس لأول مرة منذ أن أصبح قائدا أعلى للقوات المسلحة. ويبدو أن البشير خرج من الاجتماع وهو يتوجس أن شيئا ما يحاك ضده، فالاحتجاجات المستمرة منذ ديسمبر الماضي تصاعدت في الأسابيع الأخيرة، ولقت زخما إقليميا وعالميا كبيرا، إلى الحد الذي وصل إلى مطالبة دول غربية الرئيس السوداني الحاكم منذ (٣٠) عاما بالتنحي. ويقول عثمان باونين رئيس حزب مؤتمر البجا المعارض، نقلا عن مصادر مطلعة، إن البشير عاد من اجتماع الجيش متجها إلى القصر الرئاسي، تحت حراسة مشددة.
لجأ الرئيس السوداني، الذي سيعزل بعد ساعات قليلة، إلى العيله فونج في وقت صعب، بعدما اقترح عليه حرسه الخاص ذلك، بحسب ما قال باونين لموقع “سكاي نيوز عربية”. وأوضح أن مجموعة كبيرة من “أتباع البشير، ورجال الأعمال المقربين منه، وغيرهم ممن يربطهم بالبشير علاقات أخرى، يقبعون في هذه المدينة (..) هو أراد أن يحتمي بهم”. علم الجيش بمغادرة البشير للقصر الرئاسي، وتوجهه إلى العيلفون، فلاحقته قوة عسكرية تمكنت من “اعتقاله على أطراف المدينة”، بحسب ما يؤكد باونين.
تدخل “الدعم السريع”- وأكد مصطفى الشيخ، نقلا عن مصادر من داخل الجيش، أن “مجموعة عسكرية من قوات “الدعم السريع”، التابعة لرئاسة الجمهورية والتي يقودها العميد محمد حمدان، لاحقت البشير واعتقلته”.
وتابع: “غالبا سيكون العميد محمد حمدان “حميدتي” عضوا في المجلس العسكري”، الذي أعلن الجيش تشكيله لاحقا، موضحا أن قوات “الدعم السريع” هي التي قادت عمليات الاعتقال التي طالت أبرز رموز نظام البشير وحزبه. وقبل أن تشير الساعة إلى الثانية ظهرا بتوقيت السودان، كان وزير الدفاع السوداني عوض بن عوف يلقي البيان المنتظر منذ صباح اليوم، معلنا اعتقال البشير والتحفظ عليه في مكان آمن. واكتفى بن عوف، في البيان الأول للجيش الذي أذيع على التلفزيون الرسمي السوداني، بما وصفه بـ”المكان الآمن” الذي يتحفظ فيه على البشير، ولم يفصح عن تفاصيل. وكذلك أعلن الوزير تعطيل الدستور وإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة شهور وتشكيل مجلس عسكري لإدارة شؤون البلاد لفترة انتقالية مدتها عامان تجرى في نهايتها انتخابات وإغلاق المجال الجوي لمدة (٢٤) ساعة وإغلاق المعابر الحدودية لحين إشعار آخر، وكذلك حل المجلس الوطني ومجالس الولايات. كذلك أعلن الوزير وقف إطلاق النار الشامل في جميع ربوع البلاد. لكن باونين قال إن الرئيس السوداني المعزول يقبع داخل “مجمع وزارة الدفاع ،” تحديدا في بيت الضيافة حيث مقر إقامة البشير”، وتحت حراسة مشددة. وفي بيت الضيافة، ذهبت مجموعة من القادة العسكريين، على رأسهم المفتش العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لإبلاغ البشير رسميا بعزله، بحسب ما أكدته مصادر من داخل الجيش للعضو بتحالف الخلاص، مصطفى الشيخ.
ورداً على بيان الجيش أصدر تجمع المهنيين السودانيين أحد الداعين للاحتجاجات بياناً قال فيه “نفذت سلطات النظام انقلاباً عسكرياً تعيد به إنتاج الوجوه ذاتها والمؤسسات التي ثار شعبنا العظيم عليها، إذ يسعى من دمروا البلاد وقتلوا شعبها لأن يسرقوا كل قطرة دم وعرق سكبها الشعب السوداني العظيم في ثورته التي زلزلت عرش الطغيان”. وأضاف البيان “إننا في قوى إعلان الحرية والتغيير نرفض ما ورد في بيان انقلابيي النظام هذا وندعو شعبنا العظيم للمحافظة على اعتصامه الباسل أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة وفي بقية الأقاليم وللبقاء في الشوارع في كل مدن السودان”. كما وجّه تجمع المهنيين السودانيين، في بيان لاحق، نداء إلى ضباط الجيش دعاهم فيه إلى التصدي لـ”محاولة سرقة الثورة من قبل سدنة النظام”.
محاولة فاشلة للمطار:- أكد الشيخ، وكذلك الصحفية بصحفية “السوداني” لينا يعقوب، لموقع “سكاي نيوز عربية” أن الجيش اعتقل الحرس القديم الخاص بالبشير، وعين حرسا جديدا. واستبعدت يعقوب أن يكون الجيش متحفظا على البشير في بيت الضيافة، قائلة إن “أحد القصور في حي المطار بالخرطوم ربما يكون مكانا أكثر أمنا للتحفظ عليه فيه”.
وقبل الذهاب إلى مزرعته شرقي الخرطوم، أشار الشيخ إلى أن البشير توجه إلى المطار، محاولا السفر إلى إحدى الدول العربية التي رفضت استقباله بسبب طلب الاعتقال الصادر بحقه من المحكمة الجنائية الدولية بتهم جرائم حرب، بينما لم تؤكد مصادر أخرى هذه الرواية. وكان الجيش أصدر قرارا بإغلاق المجال الجوي بمجرد إعلانه عن بيان مهم سيلقيه على الشعب.
شقيق البشير هدّد عند اعتقال الرئيس السابق : “الدوشكا حتدور”- نقلت صحيفة “الانتباهة” عن العطا، أن الفريق أول عبد الفتاح البرهان أوفد إلى عمر البشير من يخطره بقرار “اقتلاعه”، فما كان من الرئيس السوداني المخلوع إلا أن وجه “شتائم وانتقادات لبعض القيادات المقربة منه لم يسمها”. وبعد إبلاغ البشير، مضى العطا بقوات عسكرية إلى منزل البشير وقام باعتقاله، وأثناء “وضع الأغلال على يد البشير وجدنا بالمنزل شقيقه عبد الله البشير الذي قال لي مهددا ومتوعدا بالموت: الدوشكا حتدور”.
وروى عضو المجلس العسكري الانتقالي في السودان، أن البشير زجر شقيقه قائلاً له “اسكت يا عبد الله”، مضيفاً أنه قام بعدها باعتقال عبد الله ذاته وأرسل الاثنين إلى سجن كوبر. وكشف العطا أيضا أنه “علم بوجود العباس شقيق البشير بالمنزل قبل ساعة من حضوره، إلا أنه تمكن من الهروب”، وتابع قائلا: ” أعتقد أن الدولة العميقة هي التي هربته”. ورأى عضو المجلس العسكري السوداني أن البداية الحقيقية للتغيير في السودان جرت خلال زيارة البشير إلى منطقة الجزيرة، وكان ذلك بإعلان “قائد قوات الدعم السريع الفريق حميدتي انحيازه للشارع، ووجه قواته التي كانت تقوم بتأمين زيارة البشير للجزيرة بعدم ضرب المواطنين وحمايتهم”.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.