بينما كان العالم يترقب بزوغ فجر “السودان الجديد” بعد ثورة ديسمبر المجيدة استيقظ السودانيون على واقعٍ أكثر قتامة؛ واقعٍ لم تعد فيه الرصاصة هي العدو الوحيد بل أصبحت “البطاقة الشخصية” والقبيلة هما جبهتا القتال الأكثر فتكاً. نحن اليوم لا نعيش مجرد حرب سياسية على السلطة بل نواجه زلزالاً وجودياً يضرب أساس الهوية السودانية حيث تحول الخطاب العنصري من “همس في الصالونات المغلقة” إلى “سلاح استراتيجي” في الميدان.
جذور المأساة التراكم الذي فجّره البارود
لم تكن العنصرية في السودان وليدة اللحظة بل هي جرح قديم تمت غطيته بضمادات مهترئة من الشعارات القومية الزائفة لسنوات طويلة تمت إدارة البلاد بذهنية “المركز والهامش” وهي ثنائية خلقت شعوراً عميقاً بالظلم التاريخي.
الاستغلال السياسي للقبيلة: منذ عقود استخدمت الأنظمة المتعاقبة التحشيد القبلي كأداة للبقاء مما حوّل التنوع الثقافي من مصدر ثراء إلى “لغم” موقوت.
خطاب “نحن وهم” هذا التقسيم الحاد الذي يغذي الكراهية جعل من الآخر (سواء كان من الغرب أو الشرق أو الوسط) تهديداً بدلاً من كونه شريكاً في الوطن.
الحرب الحالية عندما تصبح “الإثنية” وقوداً للمدافع
مع اندلاع صراع 15 أبريل سقطت الأقنعة تماماً و لم تعد الحرب بين جنرالين فحسب بل انزلقت سريعاً نحو منحدر “التصنيف العرقي”.
الاستقطاب الحاد: شهدنا صعوداً مخيفاً لخطاب الكراهية على منصات التواصل الاجتماعي حيث يتم شيطنة مجموعات سكانية كاملة بناءً على أصولها الجغرافية.
التطهير على أساس الهوية: التقارير الدولية والمحلية تشير بمرارة إلى استهداف المدنيين في دارفور ومناطق أخرى ليس لموقفهم السياسي بل لـ “سحنتهم” أو “انتمائهم القبلي”. هذا التطور يضع السودان على أعتاب سيناريوهات تشبه مآسي رواندا أو البلقان.
سلاح “الوافد والأصيل” برز مصطلح “الوافدين” و”عرب الشتات” في مواجهة مصطلحات أخرى إقصائية مما أدى إلى تآكل مفهوم المواطنة المتساوية واستبداله بمفهوم “الحق التاريخي” القائم على الدم.
أين نحن اليوم؟
نحن اليوم في أخطر مرحلة من مراحل التفكك الاجتماعي. التحليل السياسي الرصين يشير إلى أن العنصرية في السودان لم تعد مجرد سلوك فردي بل أصبحت “أيديولوجيا حرب”.
في ظل غياب مؤسسات الدولة العدلية والرقابية أصبح “الخطاب العنصري” هو القانون السائد الذي يبرر القتل والنهب والتهجير.
فشلت النخب السياسية والمثقفون في صياغة “عقد اجتماعي” جديد يتجاوز الانتماءات الضيقة بل إن بعضهم تورط في تأجيج هذه النعرات لتحقيق مكاسب سياسية آنية.
الأخطر من دمار المباني هو دمار “النفوس”؛ فالشرخ الاجتماعي الذي تسببه العنصرية يحتاج إلى أجيال ليلتئم وهو ما يهدد وحدة السودان الجغرافية بشكل فعلي.
هل من مخرج؟
إن الوقوف في وجه خطاب العنصرية اليوم ليس “رفاهية أخلاقية” بل هو ضرورة للبقاء. السودان الذي نعرفه يغرق في بحر من الكراهية المصطنعة التي يغذيها الطموح السياسي الأعمى.
إن الحل لا يبدأ من طاولة المفاوضات العسكرية فحسب بل يبدأ من “ثورة ثقافية وفكرية” تعيد الاعتبار للإنسان السوداني كقيمة مجردة وتجرم العنصرية بقوانين صارمة وتؤسس لهوية وطنية شاملة تسع الجميع دون ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة من الدم حيث لا ينتصر أحد بل يخسر الجميع “الوطن”.
الحقيقة المرة هي إذا لم نقتل العنصرية في صدورنا اليوم فستقتل هي ما تبقى من السودان غداً.
Prev Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.