صرخة في وادٍ مهجور: لماذا يصمت العالم عن مأساة السودان ومن المستفيد من إطالة أمد الحرب؟

سيف الدولة كمال

​بينما تتجه أنظار وسائل الإعلام العالمية، وتتسابق القوى الكبرى لعقد المؤتمرات والقمم العاجلة للاستجابة لأزمات شتى حول العالم، يعيش السودان في عزلة مطبقة، ويواجه شعبه واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث تحت غطاء كثيف من الصمت الدولي المريب. هذا التغافل لم يعد مجرد عجز دبلوماسي، بل بات يشبه التواطؤ الذي يطرح السؤال الأهم والمؤجل: لماذا يصمت المجتمع الدولي؟ ومن المستفيد من تحويل السودان إلى ساحة حرب منسية ومستمرة؟
​ازدواجية المعايير.. المأساة بالألوان والنسيان بالرمادي
​إن ما يمر به المواطن السوداني اليوم من قتل وتشريد، ومجاعة حقيقية طرقت أبواب الملايين، لم يحرك ساكناً في ضمير ما يُسمى بـ “المجتمع الدولي” بالشكل الذي يتناسب مع حجم الكارثة. تقارير الأمم المتحدة تتحدث بالأرقام عن ملايين النازحين واللاجئين، وعن انهيار كامل للمنظومة الصحية والتعليمية، ومع ذلك، تظل الاستجابة الدولية خجولة ولا تتعدى بيانات القلق والإدانة الفضفاضة.
​هذه الازدواجية الفجة في التعامل مع الأزمات الإنسانية تكشف أن الإنسان في إفريقيا، وفي السودان تحديداً، لا يقع في قمة أولويات الدول العظمى، حيث تُقاس الإنسانية بميزان المصالح الجيوسياسية والاقتصادية لا بالقيم الأخلاقية المزعومة.
​الاستمرار في إشعال النيران بالسودان لأكثر من ثلاث سنوات ليس مصادفة، بل هو نتاج تضارب مصالح معقدة، داخلياً وإقليمياً ودولياً. ويمكن تلخيص أسباب إطالة أمد الصراع في النقاط التالية: ​تدفق السلاح والتمويل العابر للحدود: لا توجد حرب تستمر كل هذه المدة بجهود ذاتية؛ هناك أطراف إقليمية ودولية مستمرة في تزويد أطراف النزاع بالسلاح والعتاد والتمويل، مستفيدة من حالة السيولة الأمنية لتحقيق مكاسب نفوذ مستقبلية.
​الصراع على الموارد الحيوية: يمتلك السودان موقعاً استراتيجياً مطلاً على البحر الأحمر، وثروات هائلة من الذهب، والأراضي الزراعية الخصبة، واليورانيوم. الفوضى الحالية تسمح لشبكات التهريب الدولية والشركات الأمنية الأجنبية بنهب هذه الموارد بعيداً عن رقابة الدولة.
​غياب الإرادة السياسية الحاسمة: يفتقر المجتمع الدولي إلى الرغبة الحقيقية في فرض عقوبات صارمة أو ممارسة ضغوط فعلية على الأطراف المتقاتلة لوقف الحرب، لأن استمرار الوضع الراهن يُنهك الدولة السودانية ويجعلها مستقبلاً لقمة سائغة للمساومات والإملاءات الخارجية.
​”إن الصمت عن الجريمة هو رخصة لاستمرارها، وما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد حرب أهلية، بل هو عملية تفكيك ممنهجة لدولة تاريخية، تُدار بدم بارد وسط مسمع ومرأى من عالم يدعي التحضر.”
​بينما تنشغل الصالونات السياسية في عواصم القرار بصياغة المبادرات المؤجلة والهدن الهشة التي لا تصمد لساعات، يدفع المواطن السوداني البسيط فاتورة هذا الصمت من دمه، ومستقبل أطفاله، وأمن بيته. لقد تحولت مدن وقرى بأكملها إلى رماد، وهُجر أهلها في منافي الأرض، بحثاً عن أمان افتقدوه في وطنهم.
​إن التاريخ لن يرحم، وصفحاته ستسجل بدقة كيف وقف العالم متفرجاً على شعب كامل يُباد ويُهجر. على القوى الحية في المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، والشعوب الحرة أن تكسر هذا الطوق من الصمت، وأن تضغط لوقف الدعم التسليحي الخارجي فوراً، فالأزمة في السودان لم تعد تحتمل المناورات السياسية، واستمرار الحرب هو وصمة عار ستظل تلاحق المجتمع الدولي إلى الأبد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.