(العودة الطوعية) كامبالا… بورتسودان… وبالعكس حين تصبح العودة حلماً مؤجلاً

 تيسير المبارك

 

بين كامبالا وبورتسودان، وبين مخيمات اللجوء وأحياء الخرطوم المنهكة، تدور رحلة سودانية مؤلمة لا تشبه سوى نفسها. رحلة تبدأ بالأمل، وتنتهي بخيبة جديدة، لتدفع كثيرين إلى حمل حقائبهم مرة أخرى، والعودة إلى المنافي التي ظنوا أنهم غادروها إلى الأبد.

لقد بشّرت جهات رسمية ومؤيدون لها بأن العودة الطوعية أصبحت ممكنة، وأن المدن تستعيد عافيتها، وأن الحياة تعود تدريجياً إلى طبيعتها. لكن الواقع الذي واجه كثيراً من العائدين كان، في نظرهم، مختلفاً تماماً عما رُوِّج له.

فما إن وطئت أقدامهم الخرطوم حتى اصطدموا بانقطاع الخدمات الأساسية، وصعوبات الحصول على المياه والكهرباء والرعاية الصحية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وغياب فرص العمل، فضلاً عن المخاوف الأمنية التي لا تزال تلقي بظلالها على حياة المدنيين في عدد من المناطق.

النتيجة كانت قاسية؛ فبدلاً من أن تكون العودة بداية الاستقرار، تحولت لدى بعض الأسر إلى محطة عابرة قبل اتخاذ قرار مؤلم بالعودة مجدداً إلى بلدان اللجوء، بعدما اكتشفوا أن الطريق إلى الحياة الطبيعية لا يزال طويلاً.

هذه الظاهرة تطرح سؤالاً مشروعاً: هل كانت الدعوات إلى العودة تستند إلى تقييم واقعي للأوضاع، أم أنها سبقت الظروف الموضوعية اللازمة لنجاحها؟

في تقديري، يتحمل الإسلاميون، بوصفهم جزءاً من القوى المؤثرة في السلطة خلال هذه المرحلة وفق ما يراه منتقدوهم، مسؤولية سياسية عن الخطاب الذي بالغ – في رأي كثيرين – في تصوير الأوضاع على أنها أكثر استقراراً مما هي عليه. فالترويج لعودة واسعة قبل اكتمال مقومات الأمن والخدمات لا يصنع نجاحاً، بل يصنع خيبة جديدة تضاف إلى سجل المعاناة السودانية.

الوطن ليس بياناً سياسياً، ولا مؤتمراً صحفياً، ولا حملة إعلامية. الوطن ماءٌ يصل إلى البيوت، وكهرباء لا تنقطع، ومستشفى يعالج المرضى، ومدرسة تستقبل الأطفال، وسوق يستطيع المواطن أن يشتري منه احتياجاته بكرامة. وما لم تتوافر هذه المقومات، فإن الحديث عن عودة مستقرة سيظل ناقصاً.

اللاجئون لا يغادرون أوطانهم حباً في الغربة، ولا يعودون إليها بدافع المغامرة. إنهم يبحثون عن الحد الأدنى من الأمان وفرصة للعيش الكريم. وإذا وجدوا أن تلك المقومات لا تزال غائبة، فمن الطبيعي أن يعيدوا النظر في قرار العودة، مهما كانت كلفته النفسية والمادية.

إن نجاح العودة الطوعية لا يقاس بعدد الحافلات التي تعبر الحدود، بل بعدد الأسر التي تبقى في وطنها لأنها وجدت ما يجعل البقاء ممكناً. أما حين تصبح رحلة “كامبالا – بورتسودان – كامبالا” واقعاً متكرراً، فإن ذلك يستدعي مراجعة جادة للسياسات والخطاب الرسمي، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات.

السودان يحتاج إلى إعادة بناء الثقة قبل إعادة بناء المدن. فالثقة لا تُفرض بالخطابات، وإنما تُكتسب عندما يلمس المواطن تحسناً حقيقياً في حياته اليومية، وعندما تصبح العودة إلى الوطن قراراً مدفوعاً بالأمل، لا مقامرةً يكتشف أصحابها بعد أيام أنهم مضطرون للفرار من جديد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.