أبو الدُّقَّة.. والباب، وخرائطُ من تراب؟!

الجميل الفاضل

رأيتُ فيما يرى النائمُ «حمدان أبو الدُّقَّة»، رجلاً من السابلة السراة، يحمل وعاءَين من حليب، تتحلَّق حوله سبعُ قططٍ ثمانٍ، وسبعٌ عِجاف، بين جامع الكون وسرايا اللون.
قال لي بصوتٍ يشبه همسَ التراب حين يُداس: أتدري؟
إنَّ الدُّقَّةَ من دقيق،
وإنَّ الدقيقَ رحيق،
وإنَّ للرحيق سرًّا عميق،
لا يُباعُ ولا يُشترى
على قارعةِ كلِّ طريق،
ولا عند كلِّ مضيق.
فهو ليس سلعةً تُوزن، إنما هو سرٌّ في الجوف يُذاق؛ لا يبلغه إلا من عرف أنَّ الجوعَ الحقيقيَّ ليس في البطن، إنما في الروح التي نسيتْ كيف تشمُّ.
ثم التفت باسمًا إلى جهة السوق القديم بجزيرة أبا، وقال ببطءٍ، كأنّه يرسم كلماته في الهواء:
البابُ باب، والطريقُ طريق، والخرائطُ من تراب.
فمن ظنَّ الخريطةَ وطنًا فقد ضلَّ، ومن ظنَّ البابَ يُفتح بالقوة أغلقه على نفسه إلى الأبد.
وقبل أن يُقبل إليَّ، قال بصوتٍ أقرب إلى الوداع:
ودِّع هريرة،
أيها الرجل.
وهل تطيق وداعًا،
أيها الوجل؟
ودِّع أباها
بجِرابين:
جرابٍ من طَلْح،
وجرابٍ من سِدر.
جرابٌ للذكرى التي لا تُمل،
وجرابٌ للشوق الذي لا يُبل.
ثم لا تقف هنا طويلًا
عند كلِّ فجرٍ،
مُرتجلًا؛
تسعًا وتسعين قبلةً،
والفجرُ في عَجَل،
يعاجلك
بقبلةٍ أخرى
على عَجَل.
فالذي يلثمُ ثغر الفجر كلَّ صباح، دون أن يعرف إلى أين يمضي، إنما يُقبِّل ظلَّه الهارب في وضح النهار.
ثم مضى حمدان يجرُّ رِجلاً في التراب، كأنّه يخطُّ خريطةً لا تُرى إلا لمن سار خلفه تحت التراب.
وبقي البابُ مُوصَدًا، وبقيت الخرائطُ تتفتَّتُ بين يديَّ كحبّات رملٍ أبتْ أصابعي أن تُمسكها.
فعرفتُ حينها أنَّ أبا الدُّقَّة لم يكن يرسم وطنًا، لكنه كان يمحو شيئًا رسمناه نحن بالخطأ على ثراه.
كنا نخطُّ حدودًا بالوهم، ونسمّيها أوطانًا، وننسى أنَّ التراب لا يعترف بأسمائنا، وأنَّ الدم الذي سال منا لم يكن يحفر على الأرض خريطة، بل سال ليفضح مكرَ الخريطة.
سألته: كيف يمكن لنا أن نعرف أنَّ هذا الذي تخطُّه بقدمك هو الطريق؟
قال، وهو ينظر إلى أثر قدمه على التراب:
إذا عرفتَ البابَ، عرفتَ الطريق، وإذا عرفتَ الترابَ، عرفتَ خرائطَ الأقدام، وعرفتَ مكرَ الدم الذي سال، وكاد أن يحيق ببعض من ظنَّه دليلًا لا إشارة.
فالطريقُ ليس ما يُرسم على الورق، لكنه ما يبقى على الأرض بعد أن يمحو المطر كلَّ زيفِ أثر.
ثم سألته: وما السبيل إلى النجاة إذن؟
فابتسم ابتسامةَ من عرف أنَّ الإجابة أثقل من السؤال، وقال:
أن تدقَّ الباب ولا تقتحمه، وأن تضعَ الكلمةَ على العتبة، وألا تحملها على كتفك المرهق إلى باطن الأشياء.
فالكلمة، إذا دخلتْ بقوة طرد مركزية، صارت سجنًا؛ وإذا وُضعتْ على العتبة، صارت دعوة.
وأن تعرف أنَّ التلويح من بعيد أصدقُ من كلِّ اقترابٍ أعمى.
ثم ابتعد عني قليلاً، وهو يردد متحسرًا، كأنّه يودّع آخر ما تبقّى من صوته:
إنَّ الذي لا يعرف التلويح، لا يريح، ولا يستريح.
فاليد التي لا تلوّح للغائب لا تعرف كيف تستقبل عائدًا، والروح التي لا تلوّح للمعنى تظلُّ تبحث عنه في المكان الخطأ.
رحم الله أبا الدُّقَّة.
لقد مضى الرجل، وبقي البابُ مُوصَدًا كما هو، وبقيت خرائطُ من تراب تفتَّت بين أيدينا، وبقي طريقٌ باهت يتراءى لنا كسرابٍ من بعيد.
لكن السراب هذه المرّة لم يكن وهمًا.
كان إشارةً خفيفة، تكاد لا تُرى، إلى أنَّ الطريق الحقيقي يبدأ حين نكفُّ عن رسمه.
وحين نكفُّ عن رسمه، ربما نعرفه.
وحين نعرفه فقط، ربما نبدأ مسيرًا جديدًا، نحو وطنٍ جديد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.