❝حين احترقت روما.. لم تكن النار وحدها هي المأساة، وإنما السؤال الذي بقي بعدها: من أشعلها؟ ومن حاول أن يكتب روايتها؟❞
تقول الحكاية، إن روما احترقت في عهد نيرون عام 64 ميلادية.. ولم يثبت التاريخ بصورة قاطعة أن نيرون أشعل النار بيده، لكن اسمه التصق بالحريق حتى صار رمزاً للحاكم الذي وجد نفسه أمام كارثة أكبر من قدرته على التحكم في روايتها..
في السودان.. تبدو الحكاية أكثر قسوة..
هنا لم تحترق روما وحدها.. احترق وطن، وتشرد شعب، وسقطت مدن، ودفنت آلاف الحكايات تحت الركام.. ثم خرج من بين الرماد سؤال أكثر خطورة: هل دخل السلاح الكيميائي إلى هذه الحرب؟..
وهنا لن نسبق نسبق المختبر.. كما لن نمنح أحد البراءة قبل التحقيق..
لكن الوثائق الجديدة تقول إن القضية لم تعد خبراً عابراً.
(1)
«واشنطن بوست» كشفت عن مجموعة ضخمة من الوثائق والفيديوهات والرسائل، وقالت إنها تشير إلى برنامج سوداني سري للذخائر الكيميائية، يتضمن تصنيعاً واختبارات وتخزيناً وقوائم أهداف.. وتابعت تقول:”تتحدث المواد عن مخزون يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية، ورسالة تشير إلى استخدام 106 قنابل، واشارت إلى أن خبراء راجعوا المواد واعتبروها مؤشرات قوية ومتسقة مع برنامج للأسلحة الكيميائية، لكنهم أبقوا الباب مفتوحاً للتحقق الميداني النهائي..
وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية..
لأن السؤال لم يعد: من قال؟
بل: هل يمكن اختبار ما قيل؟
(2)
والأخطر أن هذه الوثائق لا تأتي وحدها.. فقد سبق أن أعلنت الولايات المتحدة في 2025 أنها خلصت إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية عام 2024، وفرضت عقوبات على السودان.. ثم واصلت في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مطالبة الخرطوم بإعلان منشآت الإنتاج والذخائر، والتعاون مع المنظمة لتمكينها من التحقق والتدمير وفق التزامات الاتفاقية.
إذن نحن أمام ثلاثة أبواب مفتوحة: صحافة استقصائية.. معلومات استخباراتية.. وموقف رسمي أمريكي..
ومع ذلك نقول: أن أياً منها لا ينبغي أن يكون المحكمة الأخيرة.
(3)
المحكمة الأخيرة يجب أن تكون الحقيقة العلمية.. نعم، فمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية نفسها تقول إن الأدلة العلمية تؤدي دوراً مركزياً في تحديد ما حدث، وإن العينة لا تكشف المادة المستخدمة فقط، بل يمكن أن تكشف كيفية إنتاجها، وما إذا كانت مرتبطة بعينات أخرى، وما الذي يمكن أن تقوله عن مصدر الحادث..
وهنا يصبح الموقف الصحيح واضحاً: إذا كانت الوثائق كاذبة.. فليُفتح الباب لإسقاطها..
وإذا كانت صحيحة.. فليُفتح الباب لمحاسبة من تثبت مسؤوليته.
(4)
الحاكم الذي يثق في براءته لا يخشى المختبر.. هذا هو المنطق،
يفتح المواقع، ويسلم العينات، ويستقبل الخبراء، ويقول للعالم: تعالوا واختبروا كل شيء..
أما أن يصبح كل الجهد منصباً على نفي الأدلة، بدلاً من السماح بفحصها.. فذلك لا يهزم الدليل، وإنما يمنحه عمراً أطول..
والبرهان، إن كان واثقاً من براءة الجيش، فهنا لا يحتاج إلى معركة بيانات جديدة.. يحتاج إلى شجاعة واحدة: فتح الأبواب.
(5)
لكن ماذا لو حدث العكس؟..
ماذا لو وصلت فرق التحقق إلى المواقع.. وفُحصت بقايا الذخائر، وأخذت العينات، وتتبعت سلسلة الأدلة، ثم جاءت النتيجة مطابقة لما تقوله الوثائق؟..
عندها تنتهي لعبة: من قال ماذا؟
وتبدأ لعبة أخطر:
من صنع؟
من أمر؟
من نفذ؟
ومن كان يعلم؟..
فالكلور مادة يمكن أن تجعل الماء صالحاً للشرب.. لكن تحويله إلى أداة حرب يحوله من وسيلة للحياة إلى وسيلة للموت. والاتفاقية التي انضم إليها السودان تحظر تطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها واستخدامها، وتضع على الدول التزامات واضحة في التحقق والتعاون.
(6)
وهنا يصبح السؤال عن البرهان أكبر من السؤال عن البيان..
إذا أثبت التحقيق مسؤولية وحدات أو قادة أو مستويات قيادية، فلن تعود القضية مجرد سجال بين الجيش وخصومه.. ستصبح قضية مسؤولية فردية، يمكن أن تتبع سلسلة القرار من المنشأة إلى الذخيرة، ومن الذخيرة إلى الأمر، ومن الأمر إلى من أصدره..
وهذا تحديداً ما يجعل الملف أخطر من مجرد فضيحة سياسية..
إنه ملف قد يعيش أطول من الحرب نفسها..
وقد رأينا كيف يمكن لملفات الأسلحة الكيميائية أن تبقى مفتوحة سنوات، وكيف يمكن للتحقق الدولي أن يكشف ما حاولت الأنظمة إخفاءه.
(7)
وهنا يحضر التاريخ..
في حادثة الإفك، قالت أم مسطح: «تعس مسطح».. فبادرتها السيدة عائشة رضي الله عنها: «أتسبين رجلاً شهد بدراً؟».. ثم عرفت عائشة أن وراء الكلمة خبراً أكبر مما كانت تعلم..
المغزى ليس في الأشخاص ولا في الحادثة.. وإنما في الفرق بين الحكم قبل اكتمال الحقيقة، والحكم بعد ظهورها..
والسودان اليوم أمام لحظة مشابهة في معناها لا في تفاصيلها..
وثائق تتراكم.. صحافة تكشف.. استخبارات تملك.. واشنطن تتهم.. ومنظمة دولية تملك أدوات التحقق.
فماذا سيفعل الحاكم؟..
هل يفتح الباب للحقيقة؟..
أم يحاول أن يحرق الأدلة قبل أن تصل إلى المختبر؟..
ما نود قوله هنا : قد لا يكون الكلور أخطر ما في الحكاية..
الأخطر أن تكون الحرب قد صنعت من رماد السودان ملفاً دولياً.. وأن يتحول كل إنكار جديد إلى ورقة أخرى في ملف يبحث عن الحقيقة والمسؤولية..
ذلك هو المقال الذي لم تكتبه العناوين..
العناوين قالت: وثائق عن الكلور..
أما السؤال الذي يجب أن يسمعه السودان والعالم فهو:”ماذا بعد الوثائق؟”..
فإن كانت كاذبة.. فليفضحها التحقيق..
وإن كانت صحيحة.. فلتصل المسؤولية إلى من تثبت مسؤوليته.
وعندها فقط.. سيكتب التاريخ حكمه.
ومضة:
قالت أم مسطح: «تعس مسطح».. ثم جاءت الحقيقة فكشفت ما وراء الكلمات..
أما السودان.. فليس أمام من أشعلوا فيه النار وقت كافٍ لدفن الحقيقة تحت الرماد.
توقيع أفق الحرف
أفق يترفق باتساعه ليقول:
حين تصبح الأدلة أقوى من الرواية.. لا يعود الحاكم محتاجاً إلى مزيد من البيانات، وإنما إلى شجاعة واحدة: افتحوا الأبواب.. ودعوا المختبر يتكلم..
فإن قال العلم إن الكلور لم يكن هناك.. سقط الاتهام..
وإن قال إنه كان هناك.. فلن يبقى السؤال: من قال؟..
سيبقى السؤال الذي سيحمله التاريخ:
تعس.. من أحرق السودان.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.