تتسع دائرة الغضب بين السودانيين في القاهرة، وسط موجة متزايدة من الشكاوى والانتقادات لأداء السفارة السودانية، تتعلق بضعف الخدمات وتعقيد الإجراءات وارتفاع كلفة المعاملات، في وقت تتفاقم فيه احتياجات المواطنين بفعل الحرب وتشابك أوضاعهم القانونية والمعيشية.
وبحسب مصادر سودانية في القاهرة تحدثت إلى «عين الحقيقة»، فإن السفارة، بقيادة السفير عماد عدوي، تواجه انتقادات متزايدة بشأن طريقة إدارة الملفات القنصلية والإنسانية، وسط مطالب بأن تتحول السفارة إلى مؤسسة أكثر فاعلية في رعاية شؤون السودانيين، لا سيما أن حجم الأعباء التي خلفتها الحرب تجاوز بكثير طبيعة العمل القنصلي التقليدي.
وترى المصادر أن المشكلة لا تتعلق بالسفير وحده، وإنما تمتد إلى آليات إدارة العمل داخل السفارة، ومدى قدرة الطاقم الدبلوماسي والقنصلي على التعامل مع الملفات المتزايدة للسودانيين في مصر، خصوصًا قضايا الطلاب والأسر والموقوفين والسجناء والمفقودين.
المواطن أمام متاهة الإجراءات
من أكثر الملفات إثارة للغضب، وفق إفادات مواطنين ومصادر سودانية في القاهرة، ارتفاع تكلفة بعض المعاملات القنصلية، بالتزامن مع ما يصفه متعاملون بتعقيد الإجراءات وطول فترات الانتظار.
وتشمل الشكاوى معاملات استخراج وتجديد جوازات السفر، وشهادات الميلاد والزواج، وغيرها من الوثائق الرسمية. ويتحدث مواطنون عن وصول تكلفة استخراج أو تجديد الجواز، في بعض الحالات، إلى نحو 8 آلاف جنيه مصري.
ويقول أصحاب الشكاوى إن هذه التكاليف تمثل عبئًا إضافيًا على أسر تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية كبيرة، فضلًا عن الطلاب والفئات التي فقدت مصادر دخلها أو أصبحت تعتمد على موارد محدودة بسبب الحرب.
ولا تتوقف الشكاوى عند الرسوم، إذ يتحدث مواطنون عن إجراءات معقدة وبطيئة، يقولون إنها تدفعهم في كثير من الأحيان إلى البحث عن وسطاء لإنجاز معاملاتهم.
السماسرة.. سوق موازٍ للخدمات
وتتحدث مصادر سودانية عن وجود وسطاء وسماسرة ينشطون حول بعض الخدمات والمعاملات، معتبرة أن بطء الإجراءات وتعقيدها يوفران بيئة مناسبة لنمو سوق غير رسمي يستفيد من حاجة المواطن إلى إنجاز معاملته في أسرع وقت.
وتتضمن بعض الإفادات اتهامات بوجود شبهات تنسيق بين بعض الوسطاء وأفراد داخل السفارة، وهي مزاعم خطيرة لا يمكن اعتبارها حقائق ثابتة من دون تحقيق رسمي وأدلة قابلة للتحقق.
لكن انتشار هذه الشكاوى يفرض، بحسب المصادر، على السفارة توضيح آليات تقديم الخدمات، وتحديد الجهات المخولة باستلام المعاملات، والإعلان بصورة واضحة عن الرسوم، ومواعيد الإنجاز، والضوابط التي تحكم تعامل الموظفين مع الوسطاء.
فكلما غابت المعلومة الرسمية، اتسعت مساحة الشائعات، وازداد اعتماد المواطن على الوسطاء.
«الفيش والتشبيه».. إجراءات خارج الوضوح
ومن الملفات التي تثير علامات استفهام أيضًا إجراءات استخراج ما يعرف بـ«الفيش والتشبيه».
وبحسب مصادر في القاهرة، يلجأ بعض المواطنين إلى وسطاء لإكمال إجراءات البصمات وإرسالها إلى السودان، مع تحملهم تكاليف إضافية.
وتتحدث بعض الإفادات عن دخول أشخاص سبق لهم العمل في مؤسسات رسمية على خط هذه الإجراءات، إلا أن هذه المعلومات تحتاج إلى تحقق مستقل وتوضيح رسمي من السفارة والجهات المختصة.
والأسئلة هنا تبدو مباشرة: من يتولى استلام البصمات؟ ومن يشرف على إرسالها؟ وما الجهة المسؤولة عن اعتمادها؟ وما التكلفة الرسمية؟ وهل يحصل المواطن على إيصال يوضح قيمة الرسوم وطبيعة الخدمة والمدة الزمنية اللازمة لإنجازها؟
وضوح الإجابات عن هذه الأسئلة من شأنه أن يضع حدًا لمساحة واسعة من الجدل والشكاوى.
قوائم الحظر.. ملف شديد الحساسية
وتبرز كذلك شكاوى تتعلق بطريقة التعامل مع قوائم الحظر، حيث تتحدث مصادر عن مواطنين يقولون إن أسماءهم أُدرجت بصورة خاطئة، أو واجهوا صعوبة في معرفة أسباب إدراجهم وآليات الاعتراض والمراجعة.
وتتردد أيضًا اتهامات بشأن إمكانية إزالة أسماء من قوائم الحظر مقابل مبالغ مالية، وهي مزاعم خطيرة لا يمكن الجزم بصحتها دون أدلة وتحقيقات رسمية.
لكن حساسية هذا الملف تجعل وجود آلية واضحة وشفافة للمراجعة والتظلم أمرًا ضروريًا، خصوصًا أن قوائم الحظر قد تمس حرية الحركة والوضع القانوني للمواطن.
ومن حق المواطن، في مثل هذه الحالات، أن يعرف الجهة التي أدرجت اسمه، والأساس الذي استندت إليه، وكيف يمكنه الاعتراض إذا كان القرار خاطئًا.
الطلاب والأسر والموقوفون.. ملفات خارج الهامش
ولا تنحصر الشكاوى في المعاملات والوثائق.
فالطلاب السودانيون في مصر يواجهون، وفق إفادات متداولة، أعباء مالية وإدارية متزايدة، بينما تواجه الأسر السودانية ملفات تتعلق بالإقامة والوثائق والمشكلات القانونية، وسط مطالب بأن تضطلع السفارة بدور أكثر فاعلية في المتابعة والتنسيق مع السلطات المصرية.
ويأتي ملف السودانيين الموجودين في السجون أو أماكن الاحتجاز المصرية في مقدمة الملفات التي تتطلب اهتمامًا قنصليًا مباشرًا.
ويطالب مواطنون بوجود آلية واضحة لمتابعة أوضاع الموقوفين والسجناء، والتأكد من حصولهم على حقوقهم القانونية، والتواصل مع أسرهم، ومتابعة الإجراءات المتعلقة بقضاياهم بالتنسيق مع الجهات المصرية المختصة.
وتشير مصادر إلى أن بعض السودانيين المرحّلين أو الموقوفين يصلون إلى السفارة في ظروف صعبة لاستخراج وثائق سفر لازمة لإجراءات الترحيل، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى وجود آلية قنصلية متكاملة للتعامل مع هذه الحالات، بما يحفظ كرامة المواطن ويضمن حصوله على المساعدة القنصلية اللازمة.
أين ضابط الاتصال؟
ومن بين الأسئلة التي تطرحها المصادر: هل توجد داخل السفارة آلية اتصال واضحة ومتخصصة مع السلطات المصرية لمتابعة قضايا السودانيين الموقوفين والسجناء والمفقودين والمشكلات القانونية؟
وجود ضابط أو وحدة اتصال متخصصة يمكن أن يختصر كثيرًا من المعاناة، ويمنح السفارة قدرة أكبر على متابعة الملفات العاجلة بدلًا من ترك المواطن يتنقل بين الجهات بحثًا عن إجابة أو حل.
كما أن وجود قناة رسمية ومعلنة للتواصل من شأنه أن يقلل الاعتماد على الوسطاء، ويعزز ثقة المواطن في مؤسسته الدبلوماسية.
أسئلة محرجة أمام السفارة
أمام هذه الشكاوى، تبدو الحاجة ملحة إلى إجابات واضحة من السفارة السودانية بالقاهرة.
ما الرسوم الرسمية لكل معاملة؟ ومن يحددها؟ وما آلية الرقابة على الوسطاء؟ ومن يحق له استلام معاملات المواطنين؟ وكيف تتم مراقبة العاملين والمتعاملين مع الجمهور؟
وهل توجد آلية معلنة للشكاوى والتظلمات؟ وما الإجراءات المتبعة للتحقق من أي ادعاءات تتعلق باستغلال المواطن أو طلب مبالغ خارج الرسوم الرسمية؟
كما يبرز سؤال أكثر حساسية بشأن قوائم الحظر: ما آلية إدراج الأسماء ومراجعتها ورفعها؟ وكيف يمكن للمواطن المتضرر إثبات أن إدراجه تم بالخطأ؟
هذه الأسئلة لا تمثل إدانة مسبقة للسفارة أو موظفيها، لكنها تصبح مشروعة عندما تتكرر الشكاوى ويغيب التوضيح الرسمي.
السفارة أمام اختبار الشفافية
في النهاية، لا يطلب المواطن السوداني في القاهرة امتيازات خاصة.
إنه يريد خدمة واضحة، ورسومًا معلنة، وإجراءات مفهومة، وموظفين يتعاملون معه باحترام، وآلية فعالة لمتابعة قضاياه، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.
والسفارة، باعتبارها واجهة الدولة السودانية في مصر، مطالبة بأن تقدم إجابات واضحة عن الشكاوى المتداولة، وأن تكشف الإجراءات والرسوم وآليات الرقابة، وأن تحقق في أي تجاوزات تثبتها الأدلة.
فالشفافية هنا ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة لحماية المواطن وإعادة بناء الثقة في المؤسسة التي يفترض أن تكون ملاذه الأول خارج وطنه..وفي القاهرة، حيث تتزايد تعقيدات حياة السودانيين يومًا بعد آخر، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول السفارة إلى مؤسسة حقيقية لخدمة المواطن، أم يظل السوداني عالقًا بين الرسوم والإجراءات والوسطاء والأبواب المغلقة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.