مصر تغيّر قواعد اللعبة.. هل بدأ الخناق يضيق على إخوان السودان؟

تقرير: عين الحقيقة

 

في تطور أمني وسياسي لافت، أثارت أنباء عن توقيف صحفيين وناشطين سودانيين محسوبين على التيار الإسلامي في القاهرة تساؤلات واسعة حول طبيعة الموقف المصري من الإسلاميين السودانيين، وما إذا كانت السلطات المصرية بصدد إعادة النظر في سياسة الاحتواء التي اتبعتها خلال سنوات الحرب.

وخلال الأيام الماضية، تداولت منصات سودانية ومصادر ناشطة معلومات عن حملة أمنية استهدفت عدداً من الصحفيين والناشطين المقيمين في مصر، وسط غياب بيان رسمي مصري يوضح ملابسات هذه الإجراءات، أو عدد الموقوفين، أو أسباب توقيفهم.

وكتب الناشط السياسي محمد حسن بوشي، على صفحته في «فيسبوك»، أن الأمن المصري اكتشف، وفقاً لما أورده، مراسلات وتواصلاً بين ناشطين وصحفيين سودانيين محسوبين على التيار الإسلامي في السودان، وعناصر من جماعة الإخوان المسلمين المصرية المحظورة، مشيراً إلى توقيف رئيس تحرير صحيفة «السوداني» عطاف محمد مختار وآخرين.

وبحسب المعلومات المتداولة، داهمت قوات أمن مصرية شقة عطاف محمد مختار، واقتادته إلى جهة غير معلومة. غير أن هذه الرواية، حتى وقت إعداد التقرير، لم تدعمها جهة مصرية رسمية بتفاصيل واضحة، ما يفرض التعامل معها باعتبارها معلومات متداولة لا تزال بحاجة إلى التحقق والتوضيح الرسمي.

توقيف عطاف.. ما وراء الإجراء الأمني؟

لا تكمن أهمية واقعة توقيف رئيس تحرير صحيفة «السوداني» في شخصه فقط، وإنما في موقعه داخل المشهد الإعلامي السوداني خلال الحرب، وفي طبيعة الشبكات السياسية والإعلامية التي تشكلت في القاهرة منذ اندلاع الصراع.

فمصر تحولت، منذ اندلاع الحرب في السودان، إلى إحدى أبرز وجهات اللجوء والإقامة للسودانيين، وبينهم سياسيون وصحفيون وناشطون وشخصيات مرتبطة بالتيار الإسلامي المؤيد للجيش.

ومع مرور الوقت، لم تعد القاهرة مجرد محطة لإقامة الأسر السودانية، بل أصبحت أيضاً مساحة لنشاط سياسي وإعلامي واسع، الأمر الذي وضع السلطات المصرية أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف تسمح بهامش من النشاط لإسلاميين سودانيين، في وقت تتعامل فيه داخلياً مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها جماعة محظورة؟

  • وهنا تبدأ الأسئلة الأكثر حساسية.
  • سياسة الاحتواء تحت الاختبار

خلال السنوات الماضية، تعاملت القاهرة مع التيار الإسلامي السوداني بمنطق مختلف عن تعاملها مع جماعة الإخوان المسلمين داخل مصر. ويُعتقد أن الحسابات المصرية تجاه السودان تتجاوز البعد الأيديولوجي إلى اعتبارات تتعلق بأمن الحدود، ومياه النيل، واستقرار الدولة السودانية، وتركيبة المؤسسة العسكرية، ومستقبل السلطة في الخرطوم.

وبالنسبة إلى القاهرة، فإن التعامل مع الإسلاميين السودانيين لا يمكن فصله عن حقيقة وجود تيار إسلامي داخل مؤسسات الدولة والجيش السوداني، فضلاً عن تأثيره السياسي والإعلامي المتزايد.

لكن سياسة الاحتواء نفسها ظلت محل انتقاد، خصوصاً مع اتساع النشاط الإعلامي والسياسي لشخصيات محسوبة على الحركة الإسلامية السودانية داخل مصر.

وخلال فترة الحرب، نشأت في القاهرة منظومة إعلامية واسعة ضمت صحفاً ومواقع ومنصات وقنوات، تحوّل بعضها، بحسب منتقدين، إلى أدوات للدفاع عن الجيش ومهاجمة القوى المدنية المناهضة للحرب.

وإذا كانت القاهرة قد رأت في البداية أن استيعاب هذه المجموعات يخدم مصالحها الأمنية والسياسية، فإن اتساع نشاطها ربما بدأ يفرض سؤالاً مختلفاً: متى يتحول الاحتواء من أداة لإدارة النفوذ إلى عبء أمني؟

«صندوق أسود».. روايات تحتاج إلى دليل

في المقابل، انتشرت عقب أنباء التوقيف روايات عن مغادرة أو محاولة مغادرة عدد من الصحفيين والناشطين الإسلاميين القاهرة باتجاه بورتسودان، كما جرى تداول حديث عن وجود وثائق ومعلومات سرية وشبكات تمويل واتصالات بين إسلاميي السودان وإخوان مصر.

لكن هذه الروايات لا تزال في نطاق الادعاءات غير المثبتة، ولم يتسنَّ التحقق منها من مصادر مستقلة.

وهنا تبرز أهمية الفصل بين ما يمكن تأكيده وما يُتداول في الفضاء الإلكتروني، خصوصاً في قضية شديدة الحساسية سياسياً وأمنياً.

فإذا كانت السلطات المصرية قد أوقفت بالفعل أشخاصاً على خلفية اتصالات أو نشاط سياسي، فإن السؤال القانوني والسياسي سيكون متعلقاً بطبيعة هذه الاتصالات، وما إذا كانت قد تجاوزت النشاط الإعلامي والسياسي المسموح به إلى نشاط تعتبره القاهرة تهديداً لأمنها القومي.

أما الحديث عن «صندوق أسود» وشبكات تمويل واسعة، فيحتاج إلى أدلة ووثائق واضحة، لا إلى التسريبات والشائعات.

لماذا الآن؟

السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: ماذا فعلت السلطات المصرية؟ بل: لماذا في هذا التوقيت؟

فالحرب السودانية دخلت مرحلة مختلفة، وتزايدت الضغوط الدولية والإقليمية باتجاه تسوية سياسية، بينما أصبحت مسألة مستقبل الإسلاميين ودورهم في الدولة السودانية واحدة من أكثر الملفات حساسية.

وقد يكون أي تشدد مصري جديد تجاه بعض الإسلاميين السودانيين رسالة إلى أكثر من طرف في آن واحد: أن القاهرة مستعدة للسماح بالنشاط السياسي والإعلامي ضمن حدود، لكنها لن تقبل بتحول الأراضي المصرية إلى مركز لتنظيم شبكات قد تمتد إلى الداخل المصري أو تؤثر في أمنه.

كما أن القاهرة، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية السودانية، تدرك أن استمرار الحرب وتنامي الاستقطاب السياسي قد يهددان مصالحها المباشرة، خصوصاً في ظل الحدود الطويلة بين البلدين وملفات الهجرة والأمن ومياه النيل.

هل تغيرت قواعد اللعبة؟

من المبكر القول إن مصر تخلت عن سياسة احتواء الإسلاميين السودانيين بصورة كاملة. فحادثة أمنية، مهما كانت طبيعتها، لا تكفي وحدها لإثبات حدوث تحول استراتيجي في السياسة المصرية.

لكنها، في الوقت نفسه، قد تكون مؤشراً إلى أن قواعد اللعبة بدأت تضيق.

فالقاهرة تستطيع أن تتعامل مع الإسلاميين السودانيين باعتبارهم جزءاً من تعقيدات المشهد السوداني، لكنها قد لا تكون مستعدة للسماح بتحول الأراضي المصرية إلى مركز دائم لنشاط تنظيمي أو شبكات اتصال تتقاطع مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية المحظورة.

وهنا يكمن الفارق بين الاحتواء السياسي والسماح بنشاط تنظيمي عابر للحدود.

القاهرة أمام اختبار جديد

إذا تأكدت عمليات التوقيف، فإن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد طبيعتها وأبعادها. فإذا اقتصرت الإجراءات على حالات فردية مرتبطة بمخالفات قانونية محددة، فقد تبقى القضية في إطارها الأمني المحدود.

أما إذا توسعت التوقيفات أو ظهرت إجراءات بحق منصات إعلامية أو شخصيات أخرى، فقد يكون ذلك مؤشراً إلى إعادة ترتيب مصر لحساباتها تجاه التيار الإسلامي السوداني.

وفي كل الأحوال، فإن غياب التوضيح الرسمي يترك مساحة واسعة للتكهنات، ويمنح الروايات غير الموثقة فرصة أكبر للانتشار، خصوصاً في بيئة إعلامية شديدة الاستقطاب.

ما وراء المشهد

القضية أكبر من توقيف صحفي أو ناشط؛ إنها اختبار لسياسة مصرية ظلت تقوم على إدارة التوازنات أكثر من حسمها.

فالقاهرة، التي احتضنت أعداداً كبيرة من السودانيين، وبينهم شخصيات محسوبة على التيار الإسلامي، تجد نفسها اليوم أمام سؤال يصعب تأجيله: هل يمكن احتواء تيار سياسي شديد التنظيم من دون أن يتحول الاحتواء إلى نفوذ، أو يتحول النفوذ إلى شبكة تتجاوز الحدود؟

وإذا كانت مصر قد قررت بالفعل تغيير قواعد التعامل، فإن ما جرى قد يكون مجرد بداية لا نهاية. أما إذا كان الإجراء أمنياً محدوداً، فستبقى «سياسة الاحتواء» قائمة، لكن بعد أن أصبحت تحت المجهر.

وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم أن السودان لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا أن تصبح عواصم الجوار منصات لإدارة الحرب السودانية بعيداً عن أعين السودانيين.

فبينما تتصارع النخب على النفوذ والملاذات الآمنة، يبقى المواطن السوداني هو الحلقة الأضعف؛ يدفع ثمن الحرب، وثمن الاستقطاب، وثمن سياسات تُدار باسمه، بينما يُترك خارج معادلة تقرير مستقبله.

وفي النهاية، فإن أهمية أي تغيير في موقف القاهرة لن تُقاس بعدد التوقيفات، بل بما إذا كان سيعيد رسم حدود النفوذ السياسي السوداني داخل مصر، أم أنه مجرد إجراء عابر سرعان ما تطويه الملفات المغلقة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.