من ضيف الجيش إلى كاشف برنامجه الكيماوي.. كيف انقلبت زيارة مراسل نيويورك تايمز إلى فضيحة لحكومة بورتسودان

تقرير ـ عين الحقيقة

ما كان يُفترض أن يكون جولة ميدانية مُرتبة بعناية للصحافة الأجنبية داخل مناطق سيطرة الجيش ، تحول بعد أكثر من عام إلى أكبر فضيحة استخباراتية وعسكرية تواجه حكومة بورتسودان بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان.

بطل القصة هو الصحفي الأمريكي ديكلان والش، كبير مراسلي صحيفة نيويورك تايمز في أفريقيا والحائز على جائزة بوليتزر للصحافة الدولية 2025 عن تغطيته لحرب السودان.

الزيارة الأولى دخول بتصريح وتحت الحراسة !!

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل والش عدة مرات إلى السودان عبر مناطق الجيش، وغطى المعارك من الخطوط الأمامية في الخرطوم.

ووفقاً لمصادر ميدانية وتسجيلات مصورة تم تداولها مؤخراً، كانت إحدى زياراته الأكثر حساسية في منتصف عام 2024، حيث رافق والش في جولة تفقدية
لصحفي والضابط السابق في جهاز الأمن والمخابرات عمار عوض شريف و عناصر من مليشيا البراء بن مالك المصنفة إرهابياً من قبل قوى مدنية، و وحدة من جهاز الأمن والمخابرات العامة، و اللواء أبو عاقلة كيكل قائد مليشيا درع السودان بعد انشقاقه عن الدعم السريع

الجولة شملت مقرات عسكرية في الخرطوم بحري وشمال الخرطوم ومطار مروي العسكري، وكان هدفها الرسمي إظهار “تماسك الجيش” واتهام الدعم السريع باستخدام مرافق مدنية.

الصحفي التقط صوراً ومقاطع، وأجرى حوارات مع ضباط كبار، وحصل – بحسب ما كشفته لاحقاً تحقيقات نيويورك تايمز وواشنطن بوست في 5 و 6 سبتمبر 2026 – على إمكانية الوصول إلى هواتف كبار الضباط.

بعد 14 شهراً: التسريب

في سبتمبر 2026، نشر والش بالشراكة مع رونين بيرغمان تحقيقاً استناداً إلى ملف استخباراتي مسرب يضم نحو 150 وثيقة وصورة وفيديو وآلاف الرسائل النصية والصوتية من هواتف ضباط سودانيين.

التحقيق كشف ما أسماه “برنامج قنابل الكلور السري”:

الخط الزمني للبرنامج حسب الوثائق:

في يوليو 2024: اقترح العميد طارق حسين تحويل غاز الكلور إلى سلاح لكسر جمود معركة الخرطوم. صمم نموذجاً يجمع بين رأس حربي متفجر وحوالي 15 كيلوغراماً (33 رطلاً) من غاز الكلور
و 22 يوليو 2024: أقلعت طائرة شحن أنتونوف من مطار مروي شمال الخرطوم لاختبار النموذج في الصحراء. كتب حسين بعدها: “نجح الاختبار بنسبة 100%. سقطت على الهدف وأطلقت الغاز” ورد عليه العميد أمير إدريس المشرف على المسيرات: “سرية تامة”.
اما 5 و 13 سبتمبر 2024: الاستخدام العملياتي الأول. أسقط الجيش براميل كلور على قاعدة قري العسكرية ومصفاة الجيلي شمال الخرطوم، أكبر مصفاة في البلاد، التي كانت تسيطر عليها قوات الدعم السريع آنذاك.
و في أكتوبر 2024: تسارع الإنتاج ليصل إلى نحو 300 ذخيرة كيميائية تم تصنيعها وتخزين معظمها في مطار مروي. تقرير آخر أشار إلى 290 سلاحاً مخزناً و106 تم استخدامها. aca0e6f6

من أين جاء الكلور؟ أرقام الأسطوانات

هذه هي النقطة الأخطر التي تكشف هشاشة المنظومة، لأن الكلور المستخدم لم يكن عسكرياً خالصاً، بل تم تحويله من الاستخدام الإنساني:

20 أسطوانة تم إدخالها من دولة حدودية مجاورة (مصر حسب التحقيق) في أواخر أغسطس 2024، وهي كمية قال حسين إنها تكفي لصناعة نحو 1100 قنبلة.

و هنالك أسطوانات تم الاستيلاء عليها من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان – إحدى المحطات القليلة العاملة خلال الحرب. في رسالة صوتية بتاريخ 26 أغسطس 2024 قال حسين: “المنارة فيها بعض الأسطوانات وأخذناها من هناك”- هذه المحطة كانت تتلقى دعماً إنسانياً: 30 أسطوانة تبرع بها الصليب الأحمر عام 2023، و35 أسطوانة من منظمة كير خلال 2024 و2025، بالإضافة لإمدادات اليونيسف لست محطات في الخرطوم بينها المنارة. bb21

التستر بأمر من القمة

بعد أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات على السودان في مايو 2025 (دخلت حيز التنفيذ 20 يوليو 2025) بسبب استخدام السلاح الكيميائي، كشفت الرسائل المسربة أن قائد الجيش عبد الفتاح البرهان وجه تعليمات مباشرة “بإزالة كل الآثار” للبرنامج. ورد الضابط المسؤول: “تمت العملية قبل شهر”

لماذا التسريب خطير على بورتسودان؟

اختراق أمني: الصحفي الذي استقبلته أجهزة الأمن والمخابرات ومليشيا البراء وكيكل في مقراتها، هو نفسه من حصل على هواتف كبار ضباطها.
كما لم تعد الاتهامات الأمريكية (مايو 2025) بلا دليل، بل أصبحت مدعومة بفيديوهات لانفجارات بغاز أصفر ورسائل نصية وصور للذخائر، غير أن استخدام الكلور كسلاح محظور بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية ويصنف كجريمة حرب حسب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
و الجانب الاكثر خطورة تحويل مساعدات إنسانية لسلاحز وهو ما وصفه تحالف “صمود” بـ “الجريمة المضاعفة”.

حتى اليوم، تطالب منظمة حظر الأسلحة الكيميائية OPCW بالوصول إلى مطار مروي ومواقع أخرى للتحقيق المستقل، بينما ترفض حكومة بورتسودان التعاون وتقول إن لجنتها الداخلية “لم تجد تلوثاً”.

البرهان، الذي كان يستغرب من أين خرجت التسريبات، يجد نفسه اليوم أمام ملف لا يتعلق فقط باستخدام غاز الكلور، بل بكيفية إدارة دولة حرب بأكملها من داخل هواتف ضباطها المسربة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.