يبدو أن الدعوة إلى ما يُعرف بـ«الحوار السوداني السوداني» تدخل مبكرًا في اختبار سياسي صعب، بعدما رفعت الكتلة الديمقراطية، بقيادة رئيس قطاعها السياسي، مني أركو مناوي، سقف شروطها للحوار، في موقف قد يحوّل المبادرة التي تحظى بدعم رئيس مجلس السيادة في حكومة بورتسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إلى مسار شديد التعقيد، وربما يهدد بإجهاضها قبل أن تبدأ.
وبحسب ما أوردته منصة «أفق جديد»، فقد أطلقت الكتلة الديمقراطية ما يمكن وصفه بـ«رصاصة الرحمة» على الصيغة الحالية للحوار، عندما رفضت اختزال العملية السياسية في ترتيبات لا تستوفي، من وجهة نظرها، شروط الشمول والتمثيل والملكية السودانية.
وأكدت الكتلة، في تصريح صحفي أمس صادر عن هيئتها القيادية، تمسكها بالحوار الشامل باعتباره «وسيلة استراتيجية» لحل الأزمة، مشترطة أن يكون الحوار سودانيًا، وأن يُعقد داخل البلاد، وأن تقوده لجنة وطنية تحظى بالتوافق.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في مبدأ الحوار، وإنما في من يملك حق تحديد شروطه، ومن يحدد أطرافه وأجندته، ومن يقود مخرجاته.
وتكتسب مواقف مناوي وزنًا خاصًا داخل الكتلة الديمقراطية، ليس فقط باعتباره رئيس قطاعها السياسي، وإنما بالنظر إلى ثقله العسكري والسياسي داخل تحالف «القوة المشتركة» الداعم للجيش. وهو ما يمنحه قدرة أكبر على التأثير في اتجاهات الكتلة، وعلى الدفع بها نحو مواقف أكثر تشددًا تجاه أي تسوية سياسية لا تتوافق مع رؤيته ومصالح القوى التي يمثلها.
وفي تطور لافت، نقلت منصة «مع عزام» عن مناوي قوله إن الآلية الخماسية أبدت «تجاوبًا كبيرًا» مع مطالب الكتلة خلال اجتماع عُقد في الخرطوم، مشيرًا إلى أن الكتلة طالبت بحوار سوداني شامل، إلى جانب ضمانات دولية وإقليمية لتنفيذ مخرجاته وفق جداول زمنية واضحة.
وطالبت الكتلة، بحسب الإفادة، بأن يكون الحوار بملكية سودانية كاملة، بعيدًا عن الإملاءات الخارجية أو تأثير المليشيات والتدخلات الأجنبية، وأن تقوده لجنة وطنية متفق عليها، مع تمثيل جغرافي وفئوي ونوعي يشمل النازحين واللاجئين والمتضررين من الحرب.
كما طرحت الكتلة قضايا أكثر حساسية، بينها إخراج المليشيات والقوات الأجنبية من البلاد، ووقف التدخلات الخارجية، وعدم الاعتراف بأي ترتيبات يمكن أن تؤدي إلى تقسيم البلاد أو «شرعنة أجسام موازية».
وهنا تحديدًا تبدو المعضلة.
فإذا كانت الكتلة الديمقراطية تؤيد الحوار من حيث المبدأ، لكنها تضع أمامه حزمة واسعة من الشروط السياسية والأمنية والتنظيمية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نحن أمام محاولة لتصحيح مسار الحوار، أم إعادة صياغته بما يجعل موافقة الكتلة شرطًا مسبقًا لانطلاقه؟
ويرى محلل سياسي، فضل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة»، أن مناوي أصبح أحد أكثر اللاعبين تأثيرًا في المعادلة السياسية داخل المعسكر الداعم للجيش، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى أحد أبرز مصادر التعقيد أمام أي حوار ترعاه السلطة في بورتسودان.
وقال المحلل إن «مشكلة مناوي ليست في رفض الحوار، وإنما في طبيعة الشروط التي يطرحها، والتي يمكن أن تجعل الوصول إلى صيغة توافقية أكثر صعوبة»، مضيفًا أن «الثقل العسكري يمنح مناوي مساحة للمناورة، لكنه لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على فرض صيغة سياسية نهائية».
ويذهب المحلل إلى أن البرهان قد يجد نفسه أمام معادلة معقدة: فإذا منح الكتلة مساحة واسعة في تحديد شكل الحوار، فقد يواجه اعتراضات من قوى مدنية وسياسية أخرى، وإذا تجاهل شروطها، فإن أحد أبرز مكونات معسكره السياسي والعسكري قد يتحول إلى عائق أمام العملية نفسها.
ولا تتوقف تعقيدات وضع مناوي عند حدود الحوار.
ففي الولاية الشمالية، دنقلا، حيث التعدين العشوائي، بدأت تظهر مؤشرات على توترات محلية في مدينة أبوحمد، مع حديث عن تحركات واحتجاجات من قبل الأهالي على وجود القوات المشتركة داخل مدينة أبوحمد.
ورغم أن ما يحدث، وفي هذا التوقيت، يلفت الانتباه إلى أن النفوذ العسكري والسياسي لا يترجم بالضرورة إلى قبول اجتماعي مستقر في جميع المناطق.
إلى ذلك، تظل علاقة مناوي بالقوى الإسلامية، خصوصًا القيادات المحسوبة على جناحي علي كرتي وأحمد هارون، واحدة من أكثر الملفات قابلية لإعادة تشكيل التحالفات داخل المعسكر المؤيد للجيش.
وبحسب مصادر أفادت «عين الحقيقة»، فإن ثمة تحركات من كتائب الإسلاميين، وخططًا من عناصر مدنية وعسكرية مرتبطة بالاستخبارات، تعمل على وضع خطط تستهدف مناوي وقواته، حتى تصبح قواته ضعيفة، تسهل اختراقها وتوجيهها في بوصلة تنفيذ مخططات قائد الجيش السوداني وحلفائه من الإسلاميين، لا سيما جناح «علي كرتي وأحمد هارون».
لكن قراءة التوازنات داخل المعسكر نفسه تشير إلى أن التحالفات الحالية ليست بالضرورة دائمة، وأن المصالح السياسية والعسكرية يمكن أن تعيد إنتاج الخصومات في أي لحظة، أو أن تنشب حرب بين الأطراف.
ويقول المحلل السياسي لـ«عين الحقيقة» إن «التحالفات في زمن الحرب تقوم غالبًا على الضرورة أكثر من الثقة»، معتبرًا أن «مناوي قد يكون حليفًا مهمًا الآن، لكن استمرار الحرب وإعادة ترتيب السلطة بعد الحرب سيجعلان موقعه محل تفاوض وصراع».
وبذلك، قد يجد البرهان نفسه أمام مفارقة سياسية: مني أركو مناوي، الذي يمكن أن يشكل أحد أهم روافع الحوار داخل المعسكر الداعم للجيش، قد يصبح في الوقت ذاته أحد أكبر أسباب تعطيله.
فالكتلة الديمقراطية لم تقل إنها ترفض الحوار بصورة مطلقة، لكنها ترفض أن يبدأ الحوار وفق صيغته الحالية، والتي لا تضمن وجودها، لا سيما حصة اتفاق جوبا، وبالتالي يمضي مناوي في استخدام ثقله العسكري في القوات المشتركة وتأثيره السياسي في الكتلة لفرض ما يريده في الوقت.
وبينما تراهن السلطة على الحوار باعتباره مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد السوداني، فإن اتساع قائمة الشروط، وتعدد مراكز القوة، وغياب التوافق حول هوية المشاركين وآلية إدارة الحوار، قد تجعل المبادرة أمام اختبار حقيقي.
وفي واقع الأمر، قد لا يكون السؤال: هل ينجح حوار البرهان؟ بل: هل يستطيع البرهان إدارة خلافات حلفائه في معسكر بورتسودان قبل أن يبدأ الحوار مع خصومه؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.