أثار سؤال «أين الكيماوي في شوارع الخرطوم؟» جدلًا واسعًا في الأوساط الصحفية والإعلامية والناشطة، بعدما طرحته الصحفية والشاعرة «داليا إلياس» والإعلامية المعروفة «جدية عثمان»، لتتحول المسألة سريعًا من نقاش حول ملف بالغ الخطورة إلى معركة مفتوحة من الاتهامات والسخرية والتشكيك في القدرات المهنية.
وبدلًا من أن ينصرف النقاش إلى جوهر السؤال: هل توجد أدلة موثوقة على استخدام أسلحة كيميائية في السودان؟ وكيف يمكن التحقق منها؟ ومن الجهة المختصة بإثبات ذلك؟ اندفع بعض الصحفيين والإعلاميين والناشطين إلى وصف السؤال بالسطحية والغباء، وكأن مجرد طرح سؤال في قضية خلافية يمثل جريمة مهنية تستوجب المحاكمة على منصات التواصل الاجتماعي.
لكن المشكلة هنا ليست في السؤال وحده، وإنما في الطريقة التي يُدار بها النقاش حول ملف شديد الحساسية، تتقاطع فيه الحرب مع القانون الدولي والتحقيقات الصحفية والطب والأدلة الجنائية.
فالأسلحة الكيميائية ليست ملفًا عاديًا، واستخدامها يمثل انتهاكًا بالغ الخطورة للقانون الدولي.
ولهذا، فإن أي حديث عن استخدامها في السودان لا ينبغي أن يُدفن تحت السخرية أو المادة الإعلامية الموجّهة من حكومة بورتسودان، كما لا ينبغي في الوقت نفسه أن يتحول إلى نفي مطلق لمجرد تداول الحديث عن الكيماوي عبر عمل صحفيتين وإعلامية محسوبات على قيادة الجيش والإسلاميين.
سؤال مستفز أم ملف حقيقي؟
السؤال «أين الكيماوي؟» قد يكون مستفزًا في صياغته، لكنه يفتح بابًا مشروعًا للنقاش: كيف يمكن للمواطن أو الصحفي أن يعرف أن سلاحًا كيميائيًا استُخدم في منطقة ما؟ وهل يشترط إثبات ذلك وجود آثار واضحة في الشوارع أو ظهور أعراض يمكن لأي شخص ملاحظتها؟
الإجابة العلمية أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
فإثبات استخدام مواد كيميائية محظورة لا يعتمد على المشاهدة بالعين المجردة، ولا على انتشار المرض وحده، وإنما يحتاج إلى أدلة ميدانية، وتحاليل للعينات، وشهادات طبية، وتحقيقات مستقلة، وقرائن متقاطعة، فضلًا عن تقييم الجهات الدولية المختصة.
ومن هنا، فإن تحويل القضية إلى سؤال ساخر من نوع «أين هو الكيماوي؟» لا يقدم إجابة، وهو ما يبرر رد فعل الناقد والهجوم الكبير تجاه من طرحوا هذا السؤال في أزقة وشوارع الخرطوم، «داليا وجدية»، بهذه السطحية الإعلامية والصحفية.
فالصحافة، في أبسط قواعدها، تقوم على السؤال.
تقارير دولية وصحافة عالمية
في 5 و6 سبتمبر الجاري، ظهرت تحقيقات صحفية من صحيفتي «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، مدعومة بتسجيلات صوتية وصور ومشاهد وفيديوهات لضباط في الجيش، من بينهم تسجيل لقائد الجيش السوداني نفسه، الفريق عبد الفتاح البرهان، حول ملف استخدام أسلحة كيميائية. وحظي الملف باهتمام وسائل إعلام دولية ومحلية وإقليمية، بينها صحف ومنصات غربية وعربية.
كما أثارت القضية اهتمامًا على المستوى الدولي، بالنظر إلى حساسية الأسلحة الكيميائية وتجريم استخدامها بموجب الاتفاقيات الدولية.
وهنا تحديدًا ينبغي أن يتوقف الخطاب الإعلامي السوداني قليلًا.
إذا كانت هناك تقارير تتحدث عن استخدام مواد كيميائية، فالواجب ليس نفيها أو السخرية منها، وإنما تفكيكها: من أعد التقرير؟ ما مصادره؟ ما نوع الأدلة التي استند إليها؟ هل جرى فحص عينات؟ هل توجد شهادات طبية مستقلة؟ وهل أصدرت جهة دولية مختصة نتائج قاطعة؟
هذه الأسئلة هي التي تفرق بين الصحافة المهنية والدعاية السياسية السطحية.
أما أن يُقال للناس إن القضية كلها «كذبة» لمجرد عدم رؤية آثار مباشرة في الشوارع وأزقة الخرطوم، فذلك تبسيط لا يقل خطورة عن تحويل كل اتهام إلى حقيقة مؤكدة في نفس اللحظة.
آلاف السودانيين عاشوا، رغم ما يُثار عن استخدام السلاح الكيميائي في مناطقهم، بل عاشوا وسط أكثر الكوارث الإنسانية تعقيدًا، مع انتشار الأمراض وتدهور النظام الصحي والنزوح وانهيار الخدمات الأساسية في مناطق واسعة، من الجزيرة ودارفور وكردفان والخرطوم إلى مناطق أخرى.
ولذلك، فإن ربط كل حالات المرض أو الوفيات أو الإسهالات أو الأعراض الصحية باستخدام سلاح كيميائي سيكون قفزة علمية.
الأمراض لها أسباب متعددة، بينها تلوث المياه، وانهيار شبكات الصرف الصحي، وسوء التغذية، والنزوح، وانعدام الأدوية، وتراجع خدمات الرعاية الصحية، لكن يظل استخدام غاز الكلور واحدًا من أخطر الاحتمالات وأكثرها أثرًا على حياة السودانيين وصحتهم على المدى البعيد والقريب.
ولهذا، فإن تشخيص المرض وحده لا يكفي لإثبات استخدام سلاح كيميائي، كما أن غياب مشهد درامي في الشارع لا يكفي لنفيه.
هذه النقطة تحديدًا يجب أن يفهمها الإعلاميون قبل غيرهم.
المشكلة في إعلام يتحول إلى محكمة وإلى منظمة مختصة وإلى مؤسسة طبية مختصة
الأكثر إثارة للقلق في هذه القضية ليس السؤال نفسه، بل حالة الاستقطاب التي تحيط به، لا سيما من الداعمين للجيش السوداني وعناصر الحركة الإسلامية.
فبعض الأصوات الإعلامية أصبحت تتعامل مع أي قضية مرتبطة بالحرب بمنطق «معنا أو ضدنا». وإذا طرح السياسي سؤالًا يخالف الرواية التي يؤمن بها طرف صحفي داعم للجيش، فهذا ما جعل الناقدين لجدية وداليا يصفونهما بالسطحية الإعلامية.
المهم أن يتبنى الصحفي الحقيقي والمهني والواعي الرواية التي يؤمن بها والتي يقنع بها الجمهور، وهو ما يُعتبر أمرًا «مهنيًا وشجاعًا».
وهذا ليس إعلامًا.
الإعلام الذي يخشى السؤال ليس إعلامًا، والإعلام الذي يملك الإجابة قبل البحث عن الدليل ليس إعلامًا أيضًا.
داليا إلياس أو جدية عثمان ــ مثل أي صحفيتين ــ دفعتهما حكومة بورتسودان لتفكيك رواية تقف خلفها كبرى صحافة العالم، ولذلك، إن كانت صياغتهما لم تكن موفقة أو كان السؤال يفتقر إلى بعض التفاصيل، فهذا لا يبرر تحويل النقد المهني إلى تجريح شخصي، ووصف السؤال بالسطحية الموغلة في النفي، بل ومناقشة القضية وسؤالهن في ترند ساخر سياسي.
إلى ذلك، فإن المؤسسة التي تطرح اتهامًا خطيرًا بحجم استخدام الأسلحة الكيميائية مطالبة أيضًا بتقديم ما تستطيع من أدلة ومصادر، وعدم الاكتفاء بالاستناد إلى الضجيج الإعلامي الذي ينفي استخدام هذا السلاح الخطير.
الحقيقة لا تُحسم بالتصفيق
ملف الأسلحة الكيميائية في السودان يحتاج إلى تحقيق من قبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، لا إلى حملات تشهير، ولا إلى معارك بين إعلاميات بورتسودان والناشطين السياسيين والحقوقيين المحسوبين على الحركة الإسلامية، ولا إلى انتقاء ما يخدم كل طرف سياسي.
ما يقال في الوقت الحالي هو أن هناك تقارير واتهامات، إذن يجب فحصها ونشر نتائجها للعالم.
وإذا كانت هناك تقارير دولية، فيجب عرضها كاملة ومناقشة منهجيتها.
وإذا كانت الاتهامات غير محسومة، فيجب أن تقول الصحافة ذلك بوضوح.
أما دفن الملف بالسخرية والنفي، أو تحويله إلى كذب بواح بلا أدلة، فهما وجهان لخطأ واحد.
في النهاية، ليست القضية معركة بين داليا إلياس وجدّية عثمان وخصومهما، وليست اختبارًا لمن يملك الصوت الأعلى على المنصات.
القضية أكبر من أشخاصهن.
إنها قضية حرب، وضحايا، وقانون دولي، وأسلحة محظورة، وحق ملايين السودانيين في معرفة ما جرى ويجري حولهم.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: «أين الكيماوي؟»
بل: أين الأدلة؟ ومن يملكها؟ ومن يستطيع فحصها؟ ومن يملك الشجاعة المهنية ليعلن النتيجة، أيًا كانت؟
تلك هي الأسئلة التي تستحق أن تشعل الضجيج.
أما تحويل الصحافة إلى ساحة لتوزيع أوصاف «النفي» و«النكران»، فهو ببساطة هروب من السؤال الأصعب:
أين الحقيقة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.