يعرف قدرنا ويحترمنا كل جيراننا، ما عدا المصريين.. السعوديين أكثر من يكتب بإيجابية وإعجاب بشخصية السوداني، وقريب منه نسمعه من أهل الخليج واليمن.. الأثيوبيين احترامهم للسودانيين عميقا في تقمصهم لفننا وهيامهم بثقافتنا.. أيضا جربنا، وبوضوح بعد هذه الحرب، استضافة ومحبة أهل يوغندا وكينيا.. أما جنوب السودان فأنا شخصيا لا أراه دولة أخرى غيرنا – لولا ما خلفه عندهم حكم الأخوان المسلمين، كما خلف عندنا– وأعتقد قريبا سيلم شملنا.. تشاد امتداد لنا “السودان الفرنسي” ولهجتنا واحدة، بينما ليبيا استضافتنا في سعير هذه الحرب وكثيرون منا وجدوا بها عملا ومستقرا..
أما المصريون— كدولة وسياسة وسواد شعب– لم نجد منهم غير الاستصغار والاستغلال والاستنزاف فهم يتصرفون في حياتنا وداخل حدودنا وكأننا قد توفينا جميعا.. لقد استغلوا تورط حكومة الأخوان المسمين السودانيين في محاولة اغتيال الرئيس السابق حسني مبارك في أديس أبابا في العام ١٩٩٥، واستخدموها كورقة ابتزاز خبيثة عاثوا على إثرها فسادا في الشعب كله، وحصلوا بها على أي مطمع في مخيلتهم، وأطماعهم ساحقة ماحقة لا حدود لشراهتها.
تمكنوا من ناصية الحكم في السودان وتوجيه سياساته وقمع ثورته وتشتيت شعبه.. ثم دخلوا حلايب وشلاتين السودانية فاحتلوها بارتياح تام، وباشروا أعمال تمصير وتنقيب وتعدين جشع.. ثم واصلوا نهب موارد السودان وثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية –بأسعار بخسة وبعملة سودانية مزورة– ليصنعوها ويصدرونها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء حتى أن يكتبوا عليها صفة “سودانية”.. وها هو وزير الزراعة يتحدث أمام كاميرات الإعلام بلا خجل وباحتقار لشعب وحكومة السودان عن كيف يتم نهب مواردنا ويفصل في خطط استغلال أراضينا وثروتنا الحيوانية وكيفية تملك ذهبنا وأنواع المعادن وكأننا لسنا موجودين إطلاقا.. وحين شارك طيرانهم حكومة السودان حربها قصف المصانع ومنشآت التنمية في الخرطوم بحري دون أي مبرر.. ومؤخرا وصلت بهم الجرأة أن تقوم قواتهم بقتل الأبرياء عمال التعدين داخل السودان بطيران ومقاتلات مصفحة.. وهذا مما لا بد سيكون عليه تحقيق دولي في مقبل الأيام..
ولست هنا بصدد دراسة مفصلة عن استغلال المصريين لنا، فشأنهم معنا مرصود، وسيأتي يوم الحساب.. اتفاقية مياه النيل الأولى (١٩٢٩) معذورون فيها، فهي قد كانت تحت الحكم الخديوي البريطاني وها هو العلم الثنائي (التركي – البريطاني) ليس فيه علم مصر، وقد كانت الاتفاقية أقرب لتبادل المكاتبات بين الإدارات الاستعمارية.. لكن تجديد التوقيع على الاتفاقية في ١٩٥٩ قد كان هو الجريمة.. وللحقيقة، فإن المسئولية الأكبر تعود لموافقة السودانيين عليها، فبعضهم بارك لجهل وسذاجة وأخرين بحكم انتمائهم لأصول مصرية مثل الوزير الذي نفذها “محمد طلعت فريد”.. ولكنها، لفداحتها وبشاعتها، كنت حين أدرسها لطلابي بكلية التربية جامعة الخرطوم، بعضهم كان يبكي لفرط الظلم والهوان في بنودها. ثم لا أنسى أبدا، ونحن أطفال تلاميذ ابتدائي، أحضرنا في مواكب حزينة لمحطة السكة حديد كسلا لتعزية أهالي حلفا وهم في طريقهم لمنفاهم، وأذكر بوضوح عويلهم المأساوي في فاجعة ترحيلهم.. ومع كل ذاك، فحتى البحيرة التي طمرت حياتهم وممتلكاتهم استكثروا عليها أن تسمى باسمهم فجاءت “بحيرة ناصر”..
والآن بعد حرب السودان هذه، فإن مصر لقربها وقلة تكلفة الوصول إليها بالسيارات — نسبيا– ومع الخطر والمهانة في سفر التهريب، مثلت الخيار الأسهل للسودانيين الفارين من الموت.. ورغم أن السلطات المصرية لا تغيب عنها صغيرة ولا كبيرة من أمر حدودها، لكنها سمحت بتهريب السودانيين لعدة أسباب.. أولها أنهم سيكونون كالمجرمين بلا حقوق من أي نوع، وثانيها أنهم يمثلون مصدرا للعملات الصعبة بفضل ما يرسله لهم أقربائهم، وثالثها أن السلطات المصرية تقبض عنهم أموال اللجوء الدولي وبالطبع لا تدفع لهم منها شيئا، ورابعها أن السودانيين عمليا يعاملون كسياح حيث يسافرون ويسكنون ويعيشون كأجانب من الأموال التي يرسلها لهم أقرباؤهم، فيحركون بذاك السوق والتجارة.
ومع كل هذا الظلام، لا يجد هؤلاء السودانيون غير الرسوم والأسعار والإيجارات العالية في المعيشة، بعدها يلاحقون ويطاردون بشراسة من الشرطة لإعادتهم لبلدهم الذي لا تزال حربه مستعرة وذلك بعد أن يستنفدوا كل مدخراتهم في الهروب إلى مصر، فأي عدل وأي رحمنة وأي إنسانية تلك التي عند المصريين؟؟ وسبب الرغبة في إرجاعهم ليست أن يجندوا مستنفرين لدي جيش الأخوان المسلمين، كما يظن كثيرين، وإنما ليتسنى للحكومة المصرية البدء في تنفيذ مشروع إعادة تأهيل الخرطوم التي منحتهم حكومة السودان عطاءها كاملا — دون حتى منافسة قانونية– فهم بذلك يتلهفون لتلك المليارات التي رصدت لإعادة التأهيل.. وما أتوقعه –إذا لم يتم المشروع تحت رقابة دولية حاذقة -ـ فستكون المنشآت رخيصة هشة تتهالك خلال وقت قصير.. لكن الأخطر من ذلك أنه سيصرف المصريون تلك الأموال على البنية التي تمكنهم من مواصلة نهب واستغلال موارد السودان وثرواته..
ونقطة أخرى أكثر أهمية، ذلك الدعم الدبلوماسي والعسكري المباشر من الحكومة المصرية لحكومة الأخوان المسلمين السودانية ليس سببه رغبتهم فيهم كحكومة، فهم عمليا أعداءهم في سياستهم الداخلية، ولكن دعمهم هذا لإبقاء السودان ذليلا فقيرا مهانا مستنزفا.. وبالتأكيد هم لا يريدون غزو السودان واستعماره مباشرة، لأن ذلك سيضعهم في مواجهة المجتمع العالمي وانتهاك الشرعية الدولية.. أيضا هم لا يريدون لحكومة السودان أن تستقر وتنمو وإنما يريدون حالة اللاحرب واللاسلم لأنها الأمثل لشفط ثروات السودان بالمجان، وإبقاءه كسيرا ذليلا أمامها كما هو الحال الآن..
هذه العلاقة القميئة الغريبة بين بلدين التي ربما لا يوجد لها ضريب على مستوى التاريخ البشري، لا تدل على ذكاء ولا على حذق المصريين، كما يتوهمون، وإنما على قصور نظر مهلك خلقه الجشع المفرط والتسرع المحموم لنهب الثروات، وهو أكبر خطأ ترتكبه الحكومة المصرية لآنها بذلك قد حطمت البقية الباقية من حسن ظن السودانيين بهم.. وحين تسقط حكومة السودان الحالية وهي ساقطة لا محالة فحينها سيواجهون شعبا يريد الانتقام لحقوقه ولكرامته وسيندم المصريون حينها ولات حين مندم. في خطابه للرئيس المصري اللواء محمد نجيب في ١٨ أغسطس ١٩٥٢ كتب الأستاذ محمود محمد طه: “إن السودانيين قوم يؤذيهم أن يطمع طامع فيما يحمون، كما يؤذيهم أن يبالغ في العطف عليهم العاطفون”..
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.