أبواق الإيجار

بقلم: حسن عبد الرضي

من أطرف ما تكشفه هذه الحرب اللعينة أن الكذب، حين يكثر، يبدأ أهله في فضح أنفسهم بأيديهم. وهذا بالضبط ما فعله وزير إعلام الانقلاب المشؤوم، خالد الإعيسر، حين كشف ـ من حيث لا يدري ـ الحقيقة التي ظل كثير من السودانيين يلمسونها منذ زمن، وما انفكت الأقلام الشريفة تسكب لكشفها سيلًا من المداد: أن معظم إعلام البلابسة ليس إعلامًا وطنيًا، ولا صوتًا للجيش كما يدّعون، وإنما هو سوق نخاسة سياسي، تُباع فيه المواقف وتُشترى فيه الحناجر بالدولار والامتيازات.
فماذا أنتم قائلون يا ضياء الدين بلال، ومزمل أبو القاسم، وأسامة عيدروس، وعثمان ميرغني، والطاهر ساتي، والطاهر التوم، وعادل الباز، ومكي المغربي، وأم وضاح، وحسن اسماعيل؟ والقائمة تطول.
لقد أثبت “العوير” ـ آسف، أقصد الوزير ـ وبالدليل، أن هؤلاء الذين يملأون الفضاء صراخًا وعويلًا باسم “الوطن” و”الجيش”، لا يتحركون بدافع المبدأ، وإنما بدافع “التحويل البنكي”. فإذا توقفت الأموال، خفتت الوطنية فجأة، وانطفأت الحماسة، واختفى الصراخ الذي كانوا يصورونه على أنه عقيدة وإيمان!
فأي مهزلة أكبر من هذه؟ سنوات طويلة وهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم حراس الوعي، فإذا بهم مجرد “مكريين” يعملون بنظام اليومية السياسية، “طلبة” في بلاط السلطان. يسبّحون بحمد الجنرال حين تأتيهم المظاريف، ويحوّلون نشراتهم وبرامجهم إلى وصلات مدفوعة الثمن، لا تختلف كثيرًا عن إعلانات مسحوق الغسيل، سوى أن البضاعة هنا مخصصة أيضًا لغسيل الأدمغة وتضليل الشعب السوداني.
إن أكثر ما يثير السخرية أنهم كانوا يتهمون كل صاحب رأي حر بالخيانة والعمالة، بينما كانوا هم أنفسهم يقبضون ثمن الهتاف مقدمًا. كانوا يزايدون على الناس باسم الجيش، فإذا بوزيرهم يقول، بالفم المليان: “هؤلاء لا يحبون الجيش، بل يحبون ما يُدفع لهم باسم الجيش.”
وهكذا سقط القناع. سقطت تلك الصورة الكرتونية التي حاولوا رسمها لأنفسهم كفرسان للوطنية، فإذا بالحقيقة أكثر ابتذالًا: مجموعة من المرتزقة الإعلاميين الذين يتاجرون بالموت والدمار، ويستثمرون في آلام السودانيين، ثم يطالبون الناس بالتصفيق لهم باعتبارهم “إعلام المقاومة الوطنية”!
فأي مقاومة هذه التي تُسعّر بالدفع المسبق؟ وأي وطنية تلك التي تحتاج إلى “حافز” حتى تعمل؟
إن الإعلام الحقيقي ينحاز للشعب، وللحق، وللكرامة، لا لدفاتر الصرف والحسابات البنكية. أما هؤلاء، فقد انكشف أمرهم أمام الجميع. لم يفضحهم خصومهم هذه المرة، بل فضحهم أهل بيتهم أنفسهم، وخرجت الحقيقة من داخل المطبخ الكيزاني ذاته.
لقد أصبح السودانيون أكثر وعيًا من أن تنطلي عليهم هذه المسرحية الرديئة. فكل هذا الصخب الإعلامي المصنوع لم ينجح في إخفاء الخراب، ولا في تلميع الفشل، ولا في غسل الدماء التي أغرقت الوطن.
وحين يصبح الإعلام مجرد مهنة للارتزاق السياسي، فإن أول ضحاياه هو الشرف المهني، وآخر ضحاياه الوطن نفسه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.