حوار سوداني

صباح محمد الحسن

يمكن أن تُستثمر هذه الاجتماعات لتكون محطة مفصلية تمكّن القوى المدنية من صياغة خارطة طريق وطنية صلبة تعيد الاعتبار للإرادة الشعبية، وتُعلي صوت المدنيين فوق ضجيج السلاح، بعيداً عن الهيمنة الإقليمية.

طيف أول:
حينما نتوقف عن انتظار الأشياء الخاطئة،
نمنح الأشياء الصحيحة فرصة لكي تجد طريقها إلينا.

وقرأتُ بالأمس خبراً لصحيفة ديسمبر قالت فيه إن المجموعة “الخماسية” بدأت سلسلة من الاتصالات بالقوى السياسية والمدنية المختلفة بغرض الترتيب لاجتماع جديد في “أديس أبابا” بنهاية الشهر الحالي، إلا أنها أبدت شكوكاً عميقة حول إمكانية انعقاد هذه اللقاءات بسبب استمرار الخلافات حول عدد من القضايا، من بينها منهجية أطراف في الخماسية في عدد من الملفات، بما في ذلك ماهية الحوار السوداني–السوداني، ومشاركة حزب المؤتمر الوطني المحلول بما يفضي إلى إغراق العملية عبر واجهات تعبّر عن سلطة قائد الجيش.
وتشمل القضايا الخلافية الجوانب المتصلة بتعريف وتنظيم الحوار السوداني/السوداني، والذي تتمسك القوى المدنية، وعلى رأسها تحالف (صمود)، بأن يتم تحت قيادة سودانية عبر لجنة تحضيرية تتولى تحديد القضايا والأجندة والأطراف ومعايير التمثيل، وألا تُترك هذه المهمة للخماسية منفردة.
وهذا يعيدنا الي ماحذّرنا منه من قبل أن الخماسية مظلة حوار تبحث عن موطئ قدم للفريق البرهان عبر شخصيات في الاتحاد الأفريقي وشخصيات كيزانية وحسب المصدر الذي صرّح للصحيفة، فإن القوى المدنية تخشى إغراق العملية السياسية .
لكن عندما تكون هناك نية لمشاركة المؤتمر الوطني، فهل يعني ذلك إغراق العملية السياسية أم إغراق القوى المدنية نفسها!!
فالخماسية ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل منصة يمكن استخدامها لشرعنة سلطة العسكر، وهنا يجب ألا يكون التعامل معها بحذر، بل بمقاطعة المشاركة في هذه المبادرات. فقيادات في الاتحاد الأفريقي تريد إعادة البرهان إلى موقعه ما قبل 15 أبريل، بالرغم من مخالفته لكل الشروط التي تؤهله للقيادة من جديد، والجامعة العربية تتعامل معه كسلطة أمر واقع، فكلاهما مستعد للتعامل مع الجيش كطرف أساسي في أي تسوية.
وهذه فرصة تخلق له بيئة تسمح بإعادة إنتاج سلطته عبر بوابة الحوار الإقليمي الذي يفتح نافذته على المنصات الدولية. فأي إشراك للمؤتمر الوطني أو واجهاته يصبح تمهيداً لحوار مع الحركة الإسلامية، لا يخدم سلطة الجيش فقط، بل يخدم سلطة النظام الإسلامي.
والقوى المدنية طالبت من قبل بأن يكون الحوار بقيادة سودانية عبر لجنة تحضيرية مستقلة، وبتمثيل واضح وشفاف، لكن الخماسية لم تلتزم بذلك في اجتماع أديس أبابا السابق، بل حاولت التحكم في الأطراف وفي الأجندة وحتى في شكل الحوار. لذلك تتعزز مخاوف القوى المدنية من أن الخماسية يجب أن تُبقي بينها وبينها مسافة، وألا تهدي الأفارقة مساحة لهندسة حوار يخدم البرهان وفلوله.
فزيارة المبعوث الأفريقي محمد بلعيش للبرهان لا شك أنها جاءت لتقطع معه وعداً بترتيبات تدعم شرعنته، وهي رسالة واضحة بأن الاتحاد الأفريقي مستعد للتعامل معه كسلطة أمر واقع ومنحه منصة سياسية جديدة. فكل ما يهدد استقلالية أي حوار سوداني يجب حسمه ومقاطعته، إذ إن الحوار مجرد منصة لشرعنة البرهان.
واجتماع أديس أبابا الذي تم كان قبل أن يُصنّف البرهان كقائد متهم باستخدام مواد كيميائية محظورة؛ فربما كانت بعض القوى الإقليمية تجد هامشاً سياسياً يسمح للخماسية بالتعامل معه كطرف شرعي محتمل حسب رؤيتها. ولكن الآن الجنرال شخصية معرضة لعقوبات، الأمر الذي يجعله طرفاً يصعب منحه أي شرعية سياسية، وهو بلا شك عبئاً على أي عملية سياسية، لأنها ستسوّق لشخصية عالية الخطورة دولياً عقب ملف الكيماوي، مما يجعله خطراً على أي منصة إقليمية تحاول دعمه. فهذا التحول يجعل أي محاولة لشرعنته الآن شرعنة لمتهم بجرائم حرب.
وبما أن الحاجة ضرورية لحوار سوداني–سوداني لتهيئة المناخ ما بعد الحرب، فمن الأفضل تشكيل منصة سودانية مدنية عريضة يقودها سودانيون، بعيداً عن الواجهات الإقليمية؛ حوار سوداني خالص يضم شخصيات مدنية وطنية من القوى المدنية الحقيقية الفاعلة والرافضة للحرب
فهذه المنصة المدنية ستكون المرجعية السياسية الوحيدة للحوار، والعمل على صياغة ميثاق المسار المدني البديل، وأن يُقاد الحوار السوداني–السوداني بواسطة لجنة تحضيرية سودانية مستقلة لا تخضع لتوجيهات أي جهة دولية أو إقليمية.
ويرفض شرعنة السلطة العسكرية، ولا يعترف بأي دور سياسي لقيادة الجيش الحالية في صياغة مستقبل البلاد، خصوصاً بعد الاتهامات الدولية ، ويدعو صراحةً لاستبعاد واجهات النظام القديم، ويمنع إشراك حزب المؤتمر الوطني المحلول أو الحركة الإسلامية أو أي واجهات سياسية أو اجتماعية تابعة لهما.
ويُبنى أساسه على الشفافية الكاملة، وتُعلن كل خطوات العملية السياسية للرأي العام، بما في ذلك الأطراف المشاركة، الأجندة، المعايير، والضمانات. ويتخذ مبدأ المحاسبة أولاً، ويقف ضد أي حوار سياسي مع أي طرف متهم بجرائم حرب قبل فتح تحقيق دولي مستقل وضمان آليات المحاسبة.
لذلك، فإن ما تشهده العاصمة الكينية نيروبي اليوم من اجتماعات موسّعة للقوى المدنية السودانية الموقّعة على إعلان المبادئ، بمشاركة قيادات سياسية بارزة يتقدّمها د. عبد الله حمدوك، رئيس تحالف صمود، إلى جانب رئيس حركة/جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، وعدد من رؤساء الأحزاب يمكن أن يُستثمر ليكون محطة مفصلية تمكّن القوى المدنية من صياغة خارطة طريق وطنية صلبة تعيد الاعتبار للإرادة الشعبية، وتُعلي صوت المدنيين فوق ضجيج السلاح، وتُرصّف المسار السياسي على أسس جديدة بعيداً عن الهيمنة الإقليمية وهيمنة البندقية، وتفتح الطريق أمام مشروع وطني يستعيد الدولة ويحصّن مستقبلها.
طيف أخير:
#لا_للحرب
حذّر المدير القطري لبرنامج الأغذية العالمي من تفاقم الأزمة الإنسانية في مدينة الأبيض بسبب ما تعانيه من نقص حاد في الغذاء والوقود
لاحكومة السلام حمت المواطن من الحرب ولاحكومة الأمل منعت الألم من المواطن
عندما تكون الكذبة “مناطق سيطرة” !!

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.