لم يكن ينقص المواطن السوداني، الذي بات يتقلب بين لظى النزوح ومجاعة الحصار، إلا أن تمطر سماؤه غازاً خانقاً يعيد إلى الأذهان أبشع فظائع الحروب في التاريخ الحديث. إن الأنباء القادمة من مدينة «أم قرفة»، والتي تفيد بتعرضها لقصف بمادة «الكلور» السامة من قبل جيش الحركة الإسلامية، لا تمثل مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هي منزلق أخلاقي مرعب يضع المجتمع الدولي بأسره أمام مرآة عاره الصامت.
غاز الكلور، هذا الموت الأصفر الذي يلتهم الرئات ويخنق الأنفاس، ليس سلاحاً يُستخدم في مواجهة عسكرية شريفة؛ إنه سلاح الجبناء الذي يستهدف إبادة الحياة وإشاعة الرعب بين المدنيين العزل. عندما تتحول غرف النوم وباحات البيوت الطينية في قرى ومدن السودان إلى مسارح لاختناق الأطفال والنساء، فإننا لم نعد نتحدث عن حرب «سياسية»، بل نتحدث عن «إرهاب كيميائي» مكتمل الأركان، تُساق فيه أرواح الأبرياء قرابين على مذبح هوس السلطة والتمكين.
إن لجوء الكيزان إلى السلاح الكيميائي يكشف عن عمق المأزق الذي تعيشه، وحالة اليأس العسكري التي تدفعها لتجاوز كل الخطوط الحمراء والقوانين الدولية، متمثلة في استباحة كاملة للمدنيين؛ فالقصف بالغازات السامة لا يميز بين مقاتل وطفل رضيع، وهو دليل قاطع على استرخاص دماء السودانيين في سبيل تحقيق مكاسب ميدانية واهية.
كما أن هذا السلوك يسقط الأقنعة تماماً؛ فبينما يتشدقون بالشعارات الدينية والوطنية، تكشف أفعالهم على الأرض عن سلوك إرهابي فج لا يختلف في تفاصيله عن التنظيمات المتطرفة. كل ذلك في ظل صمت دولي مريب يرى هذه الفظائع ولا يحرك ساكناً، وكأن الدم السوداني بات خارج حسابات الإنسانية والعدالة الدولية.
إن جريمة قصف أم قرفة بالكيماوي ليست مجرد انتهاك لبروتوكول جنيف، بل هي طعنة غادرة في خاصرة الإنسانية، وصيحة تحذير لئلا يتحول السودان بأكمله إلى حقل تجارب لأسلحة الدمار الشامل.
على القوى المدنية والمنظمات الحقوقية وما تبقى من ضمير عالمي ألا يمرروا جريمة أم قرفة كخبر عابر في النشرات الإخبارية. يجب تشكيل لجان تحقيق دولية فورية ومستقلة لمعاينة الموقع وتوثيق حالات الاختناق. إن التهاون مع استخدام الكيماوي اليوم في قرية سودانية يعني تشريع استخدامه غداً في كل مدينة وعاصمة، وحينها لن ينفع الندم.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.