أحزاب وكتل الانتهازيين في شنطة الإسلاميين لشراء كرسي السلطة باسم الشعب المكلوم

بقلم: آدم الحاج أديب

لم تكن الأزمة السودانية وليدة الحرب وحدها، بل هي نتاج تراكم طويل من الفشل السياسي والاقتصادي الذي صنعته نخب اعتادت التعامل مع الدولة باعتبارها مشروعًا خاصًا لا وطنًا يتسع لجميع أبنائه. ومن بين أخطر الظواهر التي أفرزتها سنوات حكم الإسلاميين ذلك الزواج غير المقدس بين السلطة والسوق، حيث جرى توظيف النفوذ السياسي لبناء إمبراطوريات اقتصادية ضخمة، وتحويل رأس المال إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة وحماية مصالحها.
لقد أدرك الإسلاميون مبكرًا أن السلطة قد تزول، لكن النفوذ الاقتصادي إذا أُحكمت السيطرة عليه يمكن أن يظل وسيلة فعالة للعودة إلى المشهد السياسي من أبواب متعددة. ولذلك لم يكن الاستثمار الحقيقي في بناء الدولة أو تعزيز الديمقراطية، بل في إنشاء شبكات مصالح اقتصادية وسياسية قادرة على شراء الولاءات وصناعة التحالفات وتوجيه القرار العام متى ما اقتضت الحاجة.
ومع اندلاع الحرب السودانية وما تبعها من انهيار للمؤسسات وتشظي للقوى السياسية، عادت هذه الشبكات إلى العمل بأدوات جديدة. فظهرت على الساحة أحزاب وكيانات وتحالفات تفتقر إلى الامتداد الشعبي الحقيقي وإلى التاريخ النضالي المعروف، لكنها وجدت طريقها إلى المنابر السياسية والإقليمية والدولية باعتبارها ممثلة لقوى سياسية أو مجتمعية. وفي نظر كثير من المراقبين، فإن بعض هذه الكيانات لا تمثل سوى واجهات جديدة لمراكز نفوذ قديمة تسعى للعودة إلى السلطة تحت عناوين مختلفة.
إن المشكلة لا تكمن في حق أي مجموعة في العمل السياسي، وإنما في اختلال ميزان العدالة السياسية عندما يصبح المال السياسي هو المحدد الأساسي للحضور والتأثير. فحين تُفتح أبواب التفاوض أمام عشرات الكيانات التي لا تملك قاعدة شعبية حقيقية، بينما يتم تهميش القوى الاجتماعية المتضررة من الحرب، تتحول العملية السياسية إلى سوق للمساومات بدلاً من أن تكون مسارًا لبناء السلام والاستقرار.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن إغراق المشهد السياسي بالكيانات المصطنعة يؤدي إلى تشويه الإرادة الشعبية وإرباك أي عملية انتقالية. كما أن إعادة تدوير النخب نفسها بأسماء جديدة لا تنتج سوى الأزمات ذاتها التي دفعت البلاد إلى دوامة الحروب والانقسامات والانهيار الاقتصادي.
إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون والعدالة الاجتماعية، لا على المحاصصات السياسية وصفقات الغرف المغلقة. فالدولة التي تُبنى على أسس هشة أو على توازنات مؤقتة بين مراكز النفوذ لن تكون قادرة على تحقيق السلام المستدام، بل ستظل عرضة للانهيار عند أول اختبار حقيقي.
كما أن المجتمع الدولي والإقليمي، وهو يطرح المبادرات المختلفة لحل الأزمة السودانية، مطالب بأكثر من مجرد جمع الأطراف حول طاولة التفاوض.

فالسؤال الجوهري يتعلق بكيفية حماية العملية السياسية من تأثير المال السياسي وشبكات المصالح التي نشأت خلال العقود الماضية. فهل توجد آليات حقيقية لضمان عدالة التمثيل السياسي ومنع احتكار النفوذ الاقتصادي للعملية الديمقراطية؟ أم أن الأمر سيترك بالكامل لموازين القوى الداخلية بما تحمله من اختلالات تاريخية؟

إن تجاهل هذه الأسئلة لن يؤدي إلا إلى إنتاج نسخة جديدة من الأزمة الحالية. أما مواجهتها بشجاعة وشفافية فقد تفتح الباب أمام تأسيس دولة حديثة تستند إلى المواطنة والعدالة والمساواة، وتضع حدًا لدورات الصراع المتكررة التي دفعت ثمنها أجيال متعاقبة من السودانيين.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع: هل يتجه السودان نحو تفكيك منظومة المصالح التي صنعت أزماته، أم أنه سيشهد عودة جديدة للوجوه ذاتها عبر بوابات سياسية مختلفة، لتبدأ دورة أخرى من الصراع تحت شعارات جديدة ونتائج قديمة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.