السلام… العدو الذي لا يريده دعاة الحرب

مناهل أبوقصيص

كلما ارتفع صوت يدعو إلى وقف الحرب، انطلقت في مواجهته حملة تشكيك وتخوين. وكلما برز مسؤول أو قائد عسكري يتحدث عن التفاوض أو يلمّح إلى ضرورة البحث عن مخرج سياسي، وجد نفسه في مرمى الانتقادات والاتهامات. وكأن المشكلة لم تعد الحرب نفسها، بل كل من يجرؤ على القول إن الوقت قد حان لإيقافها.

يرى كثير من السودانيين أن البلاد لم تعد تحتمل مزيدًا من الدماء والدمار، وأن استمرار القتال لا يعني سوى اتساع دائرة النزوح والفقر والانهيار الاقتصادي. ومع ذلك، يبدو أن هناك من لا يزال يعتقد أن أي حديث عن السلام يمثل تراجعًا أو هزيمة، لا خطوة لإنقاذ الوطن.

ويعتقد منتقدون للتيار الإسلامي، الذي يُشار إليه في السودان أحيانًا باسم “الكيزان”، أن هذا التيار ينظر بعين الريبة إلى الأصوات التي تدعو إلى التسوية، خشية أن تؤدي أي عملية سياسية إلى إعادة ترتيب موازين القوى بطريقة تقلص نفوذه داخل مؤسسات الدولة. وفي المقابل، يرفض أنصار التيار هذه القراءة، ويؤكدون أن مواقفهم تنطلق من اعتبارات تتعلق بالأمن والحفاظ على الدولة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يتحول دعاة السلام إلى هدف دائم لحملات التشكيك؟ ولماذا يصبح الحوار تهمة، بينما يستمر القتال وكأنه الخيار الوحيد؟

الحرب لم تترك بيتًا سودانيًا إلا وطرقته. ملايين النازحين، ومدن مدمرة، واقتصاد يترنح، وخدمات تكاد تكون معدومة. وبعد كل هذا الخراب، يبدو غريبًا أن يبقى الحديث عن وقف الحرب مثيرًا لكل هذا الجدل.

إن الدول لا تُبنى بالحروب المفتوحة، ولا تستعيد استقرارها بإقصاء كل صوت يدعو إلى الحوار. بل على العكس، فإن التجارب أثبتت أن الحروب الأهلية تنتهي عندما يمتلك أصحاب القرار الشجاعة للجلوس إلى طاولة التفاوض، لا عندما ينجح أحد الأطراف في إسكات الأصوات المطالبة بالسلام.

قد يختلف السودانيون حول الأشخاص، وحول المبادرات، وحول شكل التسوية المطلوبة، لكن من الصعب الاختلاف على حقيقة واحدة: استمرار الحرب يعني استمرار معاناة الشعب. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن خصوم جدد داخل معسكر السلام، بل البحث عن طريق ينهي هذه المأساة.

التاريخ لا يتذكر من أطال أمد الحروب، بل يتذكر من امتلك الجرأة على إنهائها. والسودان اليوم يحتاج إلى أصوات تعلو فوق لغة البنادق، لا إلى مزيد من الاستقطاب الذي يجعل السلام يبدو وكأنه الخطر الأكبر، بينما يظل الخطر الحقيقي هو الحرب نفسها.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.