على مدى ثلاثة عقود، شكّل وجود تنظيم الإخوان المسلمين في السودان – عبر واجهته السياسية “المؤتمر الوطني” – أحد أكبر العوامل التي أثرت في بنية الدولة ووحدة المجتمع واستقرار البلاد. ومع سقوط النظام في 2019، لم ينتهِ تأثير هذا التنظيم؛ فما زالت شبكاته السياسية والاقتصادية والأمنية تلقي بظلالها على المشهد السوداني، وتعيد إنتاج نفسها في لحظات الضعف والاضطراب.
تفكيك الدولة عبر “التمكين”
اعتمد التنظيم منذ انقلاب 1989 على سياسة تمكين واسعة، استبدلت الكفاءات المهنية بموالين حزبيين، ما أدى إلى تفكيك مؤسسات الخدمة المدنية، وتحويل أجهزة الدولة إلى أذرع تخدم مصالح التنظيم، وليس احتياجات الشعب. وقد ترك هذا النهج آثارًا مدمرة على جودة الخدمات، وخلق بيئة مواتية للفساد والمحسوبية.
تسييس الأجهزة الأمنية
سيطر الإخوان على الأجهزة الأمنية وحولوها إلى أدوات قمعية تستهدف الخصوم السياسيين والمجتمع المدني. هذا التسييس للأمن أضعف قدرة الدولة على حماية المواطن، وساهم في تفتيت احتكار العنف، وتمهيد الطريق لظهور مليشيات ومراكز قوى متوازية أضعفت سيادة الدولة.
اقتصاد موازٍ يبتلع الدولة
أسس التنظيم شبكة اقتصادية واسعة عبر شركات أمنية واستثمارية تعمل خارج إطار المحاسبة. هذا اقتصاد ظلّ حرَم خزينة الدولة من مليارات الدولارات، وأسهم في انهيار العملة وارتفاع معدلات الفقر، فيما تراكمت الثروات لدى قادة التنظيم ورموزه.
تغذية الاستقطاب والانقسام
اعتمد التنظيم خطابًا يقوم على تقسيم المجتمع إلى “أعداء” و“موالين”، واستثمر الدين في السياسة لتبرير القمع والسيطرة. وقد أدى ذلك إلى تآكل الثقة بين مكونات المجتمع، وخلق حالة من الشك والعداء المتبادل يصعب تجاوزها في المدى القريب.
تأجيج الحروب الداخلية
ساهمت سياسات “فرق تسد” التي اتبعها الإخوان في إشعال النزاعات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، عبر تسليح مجموعات محلية ودعم مليشيات قبلية. هذه السياسات تركت خلفها نزوحًا جماعيًا، وانهيارًا للسلام الاجتماعي، وشرخًا عميقًا في العلاقة بين المركز والهامش.
شبكات متجذرة… وصعوبة التفكيك
رغم سقوط النظام، ما تزال أماكن النفوذ الإخواني فاعلة داخل مؤسسات الدولة، وخاصة في القضاء والشرطة والقطاع الاقتصادي. وهذا يعوق جهود الإصلاح، ويمنح التنظيم قدرة على تعطيل أي خطوات نحو التحول الديمقراطي.
خطر متجدد على المستقبل
وسط الحرب المستمرة وانهيار مؤسسات الدولة، يحاول التنظيم إعادة التغلغل في المشهد السياسي عبر واجهات جديدة وتحالفات عسكرية، مستفيدًا من الفوضى وغياب الدولة. ويخشى مراقبون من أن يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج دورة الاستبداد، وتعميق الأزمة الوطنية.
—
خلاصة
تجربة الإخوان في السودان ليست مجرد مرحلة سياسية، بل إرث ثقيل ما يزال يهدد الحاضر والمستقبل.
وما لم تُستكمل عملية تفكيك شبكاتهم السياسية والاقتصادية والأمنية، ستظل فرصة بناء دولة مستقرة وديمقراطية معرضة للانتكاس.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.