من التمويل إلى النفوذ المجتمعي.. تكساس تفتح جبهة جديدة ضد الإخوان المسلمين استراتيجية أمريكية جديدة تستهدف “القوة الناعمة” للجماعة

تقرير: عين الحقيقة

تشهد ولاية تكساس الأمريكية تصعيداً لافتاً في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة تعكس تحولاً في طبيعة المواجهة من التركيز على مصادر التمويل التقليدية إلى استهداف ما تصفه دوائر سياسية وأمنية بـ”شبكات النفوذ الناعم” التي تشمل المؤسسات التعليمية والمراكز المجتمعية والمشاريع العقارية ذات الطابع المغلق. ويرى مراقبون أن الإجراءات الأخيرة تمثل تحولاً نوعياً في آليات التعامل مع الجماعات المرتبطة بالإسلام السياسي داخل الولايات المتحدة، حيث باتت السلطات الأمريكية أكثر اهتماماً بدراسة تأثير هذه الكيانات على البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المحلية، بدلاً من الاقتصار على مراقبة النشاط المالي والتنظيمي.

تقود ولاية تكساس هذا التوجه الجديد من خلال سلسلة إجراءات أعلنها حاكم الولاية غريغ أبوت، الذي تبنى خطاباً متشدداً تجاه الجماعات التي يعتقد أنها ترتبط بأجندات أيديولوجية عابرة للحدود.

تكساس في واجهة المواجهة
وتقود ولاية تكساس هذا التوجه الجديد من خلال سلسلة إجراءات أعلنها حاكم الولاية غريغ أبوت، الذي تبنى خطاباً متشدداً تجاه الجماعات التي يعتقد أنها ترتبط بأجندات أيديولوجية عابرة للحدود. وبحسب تقارير إعلامية أمريكية، تنظر دوائر سياسية داخل الولاية إلى تكساس باعتبارها “خط الدفاع الأول” في مواجهة ما يُعرف في الأدبيات الأمنية الأمريكية بمفهوم “الجهاد الحضاري”، وهو مصطلح يُستخدم لوصف محاولات التأثير التدريجي في المجتمعات الغربية عبر المؤسسات التعليمية والثقافية والاجتماعية، بدلاً من الوسائل التقليدية المرتبطة بالعنف أو العمل السري.
المشاريع العقارية تحت المجهر
أحد أبرز محاور الجدل يتمثل في المشاريع السكنية والمجمعات المجتمعية التي يجري تطويرها داخل الولاية بواسطة شخصيات ومؤسسات إسلامية. وتشير تقارير إلى أن السلطات تتابع باهتمام مشاريع عقارية واسعة النطاق تضم مرافق تعليمية ودينية وخدمية متكاملة، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه المشاريع إلى نشوء مجتمعات منغلقة ثقافياً واجتماعياً عن محيطها الأوسع. ويعتبر الباحث الأمريكي في شؤون التطرف المجتمعي دانيال هاريس أن “الجدل الدائر لا يتعلق فقط بالمباني أو المشروعات السكنية، وإنما بطبيعة الخطاب الفكري الذي قد يتشكل داخل هذه البيئات ومدى انسجامه مع قيم التعددية والانفتاح التي يقوم عليها المجتمع الأمريكي”.
المؤسسات التعليمية في دائرة الاهتمام
ولم تعد المدارس والجامعات بمنأى عن هذا الجدل، إذ رصدت تقارير محلية أنشطة تعريفية وبرامج توعوية نفذتها مجموعات مرتبطة بمؤسسات إسلامية داخل بعض المدارس الثانوية.
ويقول الخبير في سياسات التعليم والمجتمع المدني البروفسور مايكل روبرتس إن “المؤسسات التعليمية تُعد من أكثر المساحات حساسية في أي مجتمع ديمقراطي، ولذلك فإن أي نشاط ذي طابع أيديولوجي يخضع عادة لمستويات مرتفعة من التدقيق، سواء كان مصدره جماعات دينية أو سياسية أو فكرية”.
وأضاف أن السلطات الأمريكية أصبحت أكثر حرصاً على ضمان عدم استغلال المؤسسات التعليمية لنشر أجندات سياسية أو دينية تتجاوز الأهداف التعليمية المعلنة.
وثيقة قديمة تعود إلى الواجهة
وأعاد الجدل الحالي تسليط الضوء على ما يعرف بـ”مشروع الإخوان المسلمين”، وهي وثيقة تم تداولها خلال تحقيقات أمريكية سابقة وتُستخدم من قبل منتقدي الجماعة باعتبارها دليلاً على استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى توسيع النفوذ داخل المجتمعات الغربية عبر المؤسسات المدنية والتعليمية. ويرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية الدكتور جوناثان ميلر أن “الوثيقة أصبحت جزءاً أساسياً من النقاش الأمريكي حول جماعة الإخوان، إذ يستند إليها كثير من السياسيين والمسؤولين الأمنيين في تفسير أنماط النشاط المجتمعي المرتبطة بالتنظيم”. ومع ذلك، يشير عدد من الأكاديميين إلى أهمية التمييز بين النشاط الديني أو المجتمعي المشروع وبين أي أنشطة قد تُعتبر محاولة للتأثير السياسي المنظم خارج الأطر القانونية المعروفة.

مراقبون أن الإجراءات التي تتخذها تكساس تفتح نقاشاً واسعاً داخل الولايات المتحدة حول الحدود الفاصلة بين حماية الأمن القومي وصون الحريات الدينية والمدنية التي يكفلها الدستور الأمريكي.

تحذيرات أمنية متصاعدة
وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات متكررة من مسؤولين أمنيين أمريكيين سابقين بشأن ما يصفونه بخطورة الأيديولوجيات المتطرفة التي قد تعمل عبر مؤسسات ومنظمات مدنية بدلاً من الأشكال التقليدية للنشاط المتشدد.
ويؤكد الخبير الأمني ريتشارد ويلسون أن “التحدي الذي تواجهه الأجهزة الأمريكية اليوم لا يتمثل في التنظيمات المسلحة فحسب، بل أيضاً في الشبكات الفكرية والتنظيمية القادرة على التأثير طويل المدى داخل المجتمعات من خلال التعليم والإعلام والعمل المجتمعي”.
بين الأمن والحريات
ويرى مراقبون أن الإجراءات التي تتخذها تكساس تفتح نقاشاً واسعاً داخل الولايات المتحدة حول الحدود الفاصلة بين حماية الأمن القومي وصون الحريات الدينية والمدنية التي يكفلها الدستور الأمريكي. ففي الوقت الذي تدعو فيه جهات أمنية إلى تشديد الرقابة على الكيانات المرتبطة بالإسلام السياسي، تحذر منظمات حقوقية من أن تؤدي بعض الإجراءات إلى توسيع دائرة الشبهات على مؤسسات دينية ومجتمعية تعمل بصورة قانونية. ومع استمرار الجدل، تبدو تكساس اليوم ساحة اختبار رئيسية لسياسات أمريكية جديدة تسعى إلى مواجهة ما تعتبره تمدداً أيديولوجياً طويل الأمد، في معركة لم تعد تقتصر على التمويل والتنظيم، بل امتدت إلى التعليم والثقافة والمجتمع المدني والنفوذ الاجتماعي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.