تعدد التشكيلات المسلحة في مناطق سيطرة الجيش… هل يواجه السودان تحدي احتكار الدولة للسلاح؟

تقرير: عين الحقيقة

يتزايد الجدل في السودان بشأن اتساع رقعة التشكيلات المسلحة العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة، في ظل استمرار الحرب وتعقّد المشهد الأمني، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مستقبل المنظومة العسكرية، وقدرة الدولة على استعادة مبدأ احتكار السلاح بعد انتهاء النزاع.

وخلال الأشهر الماضية، برزت إلى جانب القوات المسلحة السودانية تشكيلات وقوات مختلفة، بعضها ينتمي إلى الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، وأخرى عبارة عن قوات تعبئة ومستنفرين ومجموعات محلية، إضافة إلى كتائب وتنظيمات ذات خلفيات سياسية أو أيديولوجية. ويرى مراقبون أن هذا التنوع يعكس طبيعة التعبئة التي فرضتها ظروف الحرب، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات معقدة تتعلق بالقيادة والسيطرة والمساءلة.

مشهد أمني أكثر تعقيداً

ويحذر خبراء في الشأن الأمني من أن تعدد الجهات الحاملة للسلاح قد يؤدي إلى تداخل الصلاحيات، وصعوبة ضبط الأداء الميداني، فضلاً عن زيادة احتمالات الاحتكاك بين القوى المسلحة المختلفة، خاصة مع اختلاف المرجعيات والولاءات السياسية والتنظيمية.

ويشير محللون إلى أن استمرار هذا الواقع لفترة طويلة قد يجعل عملية إعادة بناء المؤسسات الأمنية أكثر تعقيداً، إذ ستكون الدولة مطالبة مستقبلاً بدمج أو تسريح آلاف المقاتلين، وهي عملية تحتاج إلى توافق سياسي وتمويل وإطار قانوني واضح.

احتكار الدولة للسلاح

يُعد احتكار الدولة لاستخدام القوة أحد المبادئ الأساسية في بناء الدول الحديثة، إذ تقوم المؤسسات العسكرية والأمنية النظامية بدور حماية البلاد وإنفاذ القانون ضمن منظومة قيادة موحدة وخاضعة للمساءلة.

ويرى مختصون أن أي توسع في وجود تشكيلات مسلحة موازية، حتى وإن جاء في سياق الحرب، ينبغي أن يبقى مؤقتاً وأن يخضع لضوابط قانونية ومؤسسية، حتى لا يتحول إلى واقع دائم يصعب تجاوزه في مرحلة ما بعد النزاع.

مخاوف من مرحلة ما بعد الحرب

وتبرز المخاوف بصورة أكبر عند الحديث عن اليوم التالي للحرب، حيث يتوقع مراقبون أن تواجه السلطات تحديات كبيرة في إدارة العلاقة بين القوى المسلحة المختلفة، خاصة إذا تباينت رؤاها السياسية أو تضاربت مصالحها.

وتشير تجارب دول شهدت نزاعات داخلية إلى أن بقاء السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية قد يؤدي إلى اضطرابات أمنية أو صراعات محلية أو إضعاف سلطة الدولة، ما لم تُنفذ برامج فعالة لنزع السلاح وإعادة الدمج والإصلاح الأمني.

الحاجة إلى رؤية شاملة

ويرى محللون أن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم عبر الحلول العسكرية وحدها، وإنما تتطلب تسوية سياسية شاملة تتضمن إصلاح القطاع الأمني، وتحديد العلاقة بين القوات النظامية والتشكيلات الأخرى، ووضع آليات واضحة للمساءلة والدمج أو التسريح وفق معايير مهنية.

وفي ظل استمرار الحرب، تبقى قضية تعدد القوى المسلحة واحدة من أبرز التحديات التي ستواجه السودان في مرحلة إعادة بناء الدولة. فاستعادة الاستقرار لا ترتبط فقط بوقف إطلاق النار، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على بناء مؤسسات أمنية موحدة ومهنية، تكون وحدها الجهة المخولة بحمل السلاح وحماية المواطنين، بما يعزز سيادة القانون ويمنع تحول التعدد العسكري إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.