يواجه العام الدراسي التعويضي لعام 2026 في ولاية الجزيرة شبح الانهيار قبل أن يبدأ، إثر موجة غضب عارمة سادت الأوساط التعليمية. وتأتي هذه الأزمة على خلفية تدني الأجور وتأخر صرف المستحقات المالية، وسط تحذيرات من أن الرواتب الحالية “لا تكفي لتغطية احتياجات الأسر لأسبوع واحد”، مما دفع الكيانات النقابية والمعلمين إلى التلويح بإضراب شامل عن العمل.
وكانت قد أخذت الأزمة منعطفاً تصعيدياً خطيراً عقب تصريحات لمسؤول في الولاية، هدد فيها باستبدال المعلمين المضربين بعناصر ينتمون إلى كيانات مسلحة، من بينها “كتيبة البراء بن مالك” وقوات “درع السودان”، مما أثار ردود فعل منددة داخل الحقل التعليمي والحقوقي.
في استطلاع أجرته “عين الحقيقة” مع عدد من الكوادر التعليمية في الولاية، أجمع المعلمون على أن الاستمرار في أداء رسالتهم في ظل الظروف الحالية بات أقرب إلى المستحيل.
وتقديراً لظروفهم الأمنية، تحدث (أ. م.)، وهو معلم مرحلة متوسطة، قائلاً:
“كيف يُطلب من المعلم أن يقدم عطاءً داخل الفصل وهو عاجز عن توفير وجبة واحدة لأطفاله؟ الرواتب التي نتقاضاها تبخرت قيمتها الفعلية تماماً، وهي لا تغطي تكلفة المواصلات والاحتياجات الأساسية لبضعة أيام. الإضراب ليس خياراً رفاهياً، بل هو صرخة أخيرة لإنقاذ كرامة المعلم.”
من جانبها، أشارت الأستاذة (فاطمة. ع)، معلمة بالمرحلة الثانوية، إلى أن المعلمين تحملوا الكثير طوال الفترة الماضية تقديراً لمستقبل الطلاب، وأضافت:
“تأخير الرواتب وغياب الحوافز أصبح السمة السائدة. نحن نطالب بحقوقنا المشروعة وصرف الاستحقاقات في مواعيدها دون تسويف.”
وأكدت أن استقرار العام الدراسي رهين بمدى جدية السلطات في تحسين الأوضاع المعيشية للمعلمين.
وأثار التهديد الذي أطلقه المسؤول الولائي مخاوف المعلمين من اتجاه سلطة الأمر الواقع إلى التصعيد بدلاً من الاستجابة لمطالبهم والحوار معهم، حيث لوّح المسؤول باللجوء إلى عناصر “كتيبة البراء بن مالك” وقوات “درع السودان” لإدارة المدارس وتسيير الامتحانات في حال تنفيذ الإضراب.
وقد قوبلت هذه التهديدات برفض قاطع من مراقبين ونقابيين، اعتبروا أن إقحام عناصر مسلحة أو منتمية لكيانات مصنفة ومثيرة للجدل في الحقل التربوي يمثل “سابقة خطيرة” تهدد أمن البيئة التعليمية وسلامة التلاميذ، فضلاً عن كونها انتهاكاً صارخاً للحقوق العمالية وقوانين العمل الدولية التي تكفل حق الإضراب السلمي للمطالبة بالحقوق.
ويرى خبراء تربويون أن هذه الأزمة تضع مستقبل آلاف الطلاب في ولاية الجزيرة على المحك، لا سيما أن العام الدراسي تعويضي ويهدف إلى تدارك ما فاتهم من تحصيل علمي بسبب الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
وفي ظل تمسك المعلمين بمطالبهم المتمثلة في التعديل الفوري لهيكل الأجور بما يتناسب مع معدلات التضخم الحالية، والالتزام بجدول زمني صارم لصرف الرواتب دون تأخير، وتوفير الحوافز والبدلات التي تضمن الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، يبقى الباب مفتوحاً أمام تصعيد مستمر ما لم تتدخل الجهات المسؤولة والعقلاء بتقديم حلول جذرية تضمن كرامة المعلم واستقرار العملية التعليمية، بعيداً عن لغة التهديد والتلويح بالبدائل العسكرية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.