السودان بين جحيم الحرب وسراب السلام وجدلية الأمل واليأس في وجدان المواطن

محمد صالح محمد

الوجع الممتد على ضفاف النيل:
في خارطة الجيوسياسات المعاصرة قليلة هي الأوطان التي اختزلت مأساة الإنسانية وصراع البقاء بمثل هذه القسوة التي يعيشها السودان اليوم.
لم تعد الحرب الدائرة هناك مجرد نزاع تقليدي على السلطة، ولا صراعاً عابراً على نفوذ سياسي، بل تحولت إلى مخبر إنساني وسياسي معقد تتجسد فيه أقصى حالات التناقض: الحرب والسلام، الأمل واليأس.
وفي قلب هذا الميدان المشتعل يقف المواطن السوداني شامخاً رغم انكساره، حاملاً على عاتقه إرثاً ثقيلاً من خيبات الأمل السياسية، لكنه في الوقت ذاته لا يزال يبحث بيقين يشبه المعجزة عن بصيص نور وسط عتمة دامسة.
جغرافية الحرب… عبث السلاح وتكلفة الانهيار:
حين اندلعت شرارة الحرب في منتصف أبريل من العام 2023، لم تكن سوى تتويج لمسار طويل من هشاشة الدولة السودانية وتراكمات الانتقال المتعثر عقب ثورة ديسمبر المجيدة.
لقد كشفت الحرب عن عورة المنظومة السياسية التقليدية التي طالما نظرت إلى السلطة بوصفها غنيمة وليست مسؤولية وطنية.
تدمير البنيان والوجدان:
لم يقتصر الدمار على البنية التحتية من مستشفيات وجسور ومؤسسات، بل امتد ليطال النسيج الاجتماعي والروحي للمجتمعات المحلية وتحويل ملايين السودانيين إلى نازحين ولاجئين في شتات الأرض.
اقتصاد الحرب والمصالح الضيقة:
تحولت الحرب إلى “اقتصاد موازٍ” تستفيد منه شبكات المصالح العابرة للوطنية، بينما يدفع المواطن البسيط فاتورة الدم والنزوح والمعيشة المرتفعة في ظل غياب شبه تام لمقومات الحياة الأساسية.
سراب السلام… مبادرات متخبطة وغياب الإرادة:
على صعيد العملية السياسية والدبلوماسية تبدو لوحة السلام باهتة ومحبطة إلى أبعد الحدود.
فالمنصات الإقليمية والدولية (من جدة إلى أديس أبابا والقاهرة ومنبر الإيغاد وغيرها) تراوح مكانها، محكومة بتجاذبات المحاور الإقليمية وتضارب الأجندات الدولية.
مفارقة سياسية:
بينما تتسابق العواصم في إطلاق المبادرات والبيانات الختامية الفضفاضة، يغيب الصوت الحقيقي للمواطن السوداني، وتُهمش القوى المدنية الحية التي تُعد وحدها قادرة على بناء عقد اجتماعي مستدام يمنع تكرار مأساة الحرب.
السلام لا يمكن أن يُختزل في اتفاقيات تقاسم سلطة هشة بين أطراف السلاح، بل هو عملية إعادة تأسيس شاملة للدولة تبدأ بمحاسبة الجناة، وتفكيك بنية التهميش التاريخي، وبناء جيش مهني واحد يتبع لسلطة مدنية ديمقراطية.
سيكولوجية المواطن.. بين مطرقة اليأس وسندان الأمل:
أمام هذا المشهد القاتم يتشكل المشهد النفسي والسياسي للمواطن السوداني في ثنائية شديدة التعقيد:
1. اليأس كواقع معاش:
خيانة النخب:
يشعر المواطن بخذلان عميق من النخب السياسية والعسكرية على حد سواء، تلك النخب التي أدارت الصراع برعونة وكأن دماء السودانيين رخيصة في سبيل طموحات شخصية ضيقة.
الشعور بالتخلي الدولي:
ترك السودان وحيداً يواجه مصيره أمام آلة القتل والنزوح، وسط اهتمام دولي انتقائي يتأثر بأولويات الصراعات الكبرى في مناطق أخرى من العالم.
2. الأمل كمقاومة أبدية:
التكافل الاجتماعي:
في أشد لحظات الأزمة أظهر المجتمع السوداني عبر “لجان المقاومة”، وغرف الطوارئ، والمبادرات الشعبية قدرة مذهلة على التضامن والتكافل، مما يؤكد أن جذور الدولة المدنية تكمن في وجدان المجتمع لا في هياكل السلطة الفوقية.
إرادة الحياة:
إن تمسك المواطن بالبقاء وتعليمه لأطفاله تحت الأشجار، ومثابرته على إعادة بناء ما تهدم هو الشكل الأعلى للسياسة؛ إنه إعلان رفض للموت المجاني وإصرار عنيد على صناعة مستقبل مختلف.
فجر المجد القادم من رحم الرماد:
إن الخروج بالسودان من نفق هذه المأساة التاريخية لا يتطلب مجرد هدنة مؤقتة أو تسوية سياسية عابرة تعيد تدوير الأزمات، بل يستدعي جراحة عميقة لاستئصال جذور الاستبداد والتمكين والتشظي الجهوي.
إن حكاية المواطن السوداني اليوم ليست مجرد رقم في تقارير الأمم المتحدة عن النزوح والجوع، بل هي ملحمة صمود نبيلة تسطرها أيادي البسطاء الذين يرفضون الاستسلام للموت المجاني.
وحين تضع الحرب أوزارها –حتمًا– وتنجلي غشاوة الخطاب الشعبوي والميليشياوي، فإن البناء الحقيقي لن يبدأ من القصور الرئاسية، بل من عزم ذلك المواطن الأبيّ الذي ما زال يرى في عتمة اليأس وميض أمل لا يخبأ.
إن السودان القادم لن يكون امتداداً لما قبله، بل سيكون جمهورية جديدة ولدت من رحم المعاناة، ليثبت السودانيون مجدداً أن إرادة الحياة حين تتسلح بالوعي والبصيرة قادرة دائماً على هزيمة أعتى آلات الموت والدمار.
في نهاية المطاف لن تُهزم إرادة الحياة في وجدان المواطن السوداني مهما اشتدت عتمة الحرب.
فوحـده هذا الصمود الأسطوري يظل الضامن الوحيد لانبعاث وطن طال ليله، ليعود السودان –حتماً– واحة سلام وعدالة وحرية من رحم الرماد.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.