حوار سياسي لتنصيب البرهان رئيساً للجمهورية وخطة لتفكيك القوى السياسية والعسكرية.. هذه هي مخرجات أسمرا

أواب عزام البوشي

الوثيقة المسربة.. البوصلة التي سبقت أسمرا :-

قبل أيام من توجه البرهان إلى أسمرا، كشفت وثيقة رسمية مسربة صادرة عن مكتبه ومؤرخة في 16 يونيو 2026، عن خطة متكاملة لإعادة ترتيب السلطة في السودان. تلك الوثيقة، التي حملت توقيع مدير مكتب البرهان، كشفت النقاب عن مشروع سياسي يقضي بحكم البلاد عبر حكومة عسكرية برئاسة البرهان لمدة انتقالية تصل إلى خمس سنوات، مع تشكيل حكومة تكنوقراط وتهميش دور المؤسسات المدنية.

لكن الأكثر خطورة، بحسب تحليل المراقبين، أن الوثيقة صُممت لتحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية رئيسية: ترسيخ مكانة البرهان، وإعفاء القيادة العسكرية من المسؤولية عن جرائم الحرب، وقصر المشاركة السياسية على الأطراف الموالية فقط مع إقصاء الخصوم. كما تؤكد الوثيقة رفض البرهان القاطع لأي نتائج تنبثق عن مؤتمرات أو منصات حوار تُعقد خارج الأراضي السودانية. كانت تلك الوثيقة بمثابة البوصلة التي أوضحت الوجهة التي يمضي إليها البرهان، قبل أن يشرع في تنفيذها عبر سلسلة تحركات سياسية بدأت في أسمرا.

أسمرا.. وضع اللمسات الأخيرة وطرح الحوار :-

ثم كانت أسمرا. هناك، حيث عقد البرهان سلسلة لقاءات مغلقة مع قيادات إسلامية بارزة، كان على رأسهم صلاح قوش، مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني الأسبق. لم تكن هذه اللقاءات مجرد مشاورات عابرة، بل كانت ورشة عمل لوضع اللمسات النهائية على ترجمة تلك الوثيقة إلى واقع ملموس. في تلك الاجتماعات، وضع البرهان والإسلاميون اللمسات الأخيرة لطرح حوار سياسي منقوص، يهدف في جوهره إلى تمرير ترتيباتهم وتثبيت حكم البرهان.

ويبدو أن أحد الملفات الرئيسية التي نوقشت في أسمرا كان ملف تهميش الشخصيات التي قد تعترض طريق هذا المشروع. فالتسريبات تشير إلى أن البرهان والإسلاميين ينظرون إلى كل من مالك عقار وشمس الدين كباشي كعقبات في طريق تنصيب البرهان رئيساً، ويعملون على تهميش دورهما في أي ترتيبات مستقبلية. فكباشي، الذي كان يشغل منصب نائب القائد العام للجيش، أُقصي من هذا المنصب في أبريل 2026 وأُعيد تعيينه مساعداً لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي، في خطوة قرأها المراقبون كمحاولة لإبعاده عن مراكز القرار.

عاد البرهان من أسمرا، ولم يمضِ وقت طويل حتى كان في الخرطوم يجمع قادة “الكتلة الديمقراطية”، معلناً لهم عن مشروع حوار سياسي شامل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا التوقيت بالذات؟ ولماذا يعلن البرهان عن حوار وطني في وقت تستمر فيه الحرب بكل ضراوة، وهو يصر على رفض أي هدنة إنسانية؟

حوار للالتفاف على المبادرات الدولية :-

في تقديري، الحوار الذي يريده البرهان ليس أكثر من محاولة للالتفاف على المبادرات الدولية التي تعمل على إيقاف الحرب في السودا. فالتقارير الدولية تؤكد أن البرهان يعطل كل مساعي السلام، وأنه يمضي في هذا التعنت إرضاءً للحركة الإسلامية التي ترى في استمرار الحرب فرصة لاستعادة نفوذها.

ومحاولة البرهان طرح مسار بديل للحوار هي، في جوهرها، خطة للسيطرة على الحكم وتنصيب نفسه رئيساً للجمهورية، بعيداً عن أي رقابة دولية أو شروط قد تقيد حركته. الوثيقة المسربة كانت واضحة في هذا الصدد: البرهان يريد حواراً وطنياً داخل السودان يخضع لسيطرته الكاملة، ويرفض أي حوار خارجي قد يفرض عليه شروطاً لا يرغب فيها.

هذا الحوار المنقوص، الذي يستبعد القوى الفاعلة الحقيقية مثل قوى “صمود” المدنية وقوات الدعم السريع، ليس سوى غطاء سياسي يهدف إلى إضفاء شرعية وهمية على ترتيبات تمت في الخفاء، بعيداً عن أي توافق وطني حقيقي.

تفكيك الحركات المسلحة.. الهدف الخفي :-

لكن الأكثر خطورة في قراءة مسار الأحداث، هو ما تسعى إليه خطة البرهان والإسلاميين إلى ما هو أبعد من مجرد حوار سياسي. فالحركات المسلحة، التي كانت حليفة للبرهان في الحرب، تعيش توترات معه منذ زمن بسبب حصص الحكم والمواقع في السلطة. هذه التوترات، التي كادت أن تؤدي إلى اشتباكات في أكثر من مناسبة، جعلت البرهان يدرك أن هذه الحركات قد تشكل تهديداً لمشروعه الرئاسي.

لذلك، فإن خطة البرهان والتيار الإسلامي لا تقف عند تهدئة الأوضاع مع الحركات المسلحة، بل تمتد إلى تفكيكها عبر الحوار السياسي المزعوم. فالحركات المسلحة تعيش انقسامات داخلية تجعل من المستحيل أن تتفق على موقف موحد، وهذه الانقسامات هي المفتاح الذي يعتمد عليه البرهان لتفكيكها. بدلاً من مواجهتها عسكرياً، يريد استغلال انقساماتها الداخلية عبر حوار يبدو شاملاً، لكنه في جوهره سيستهدف كل حركة على حدة، ليخرج كل طرف بمكاسب وهمية، بينما تتفكك الحركات ككيانات سياسية وعسكرية موحدة.

وهنا تكمن المفارقة: الحركات المسلحة، التي كانت شريكاً في الحرب، قد تجد نفسها اليوم مهددة بالتفكيك من قبل حليف الأمس. والإسلاميون، وهم الأكثر خبرة في لعبة “فرق تسد”، يدركون أن استغلال الانقسامات هو الطريق الأقصر لتفكيك هذه الحركات دون عناء المواجهة العسكرية.

حوار للتفكيك لا للحل :-

البرهان يريد حواراً ليس لإنهاء الحرب، بل للالتفاف على المبادرات الدولية، وتفكيك الحركات المسلحة والقوى السياسية المعارضة، وتثبيت حكمه. وفي ظل استمرار الحرب ورفض الهدنة، يبقى هذا الحوار مجرد مسرحية سياسية.

ولنكن صادقين: إذا وافقت القوى السياسية والحركات المسلحة على هذا الحوار، فستكون قد كتبت نهايتها على نفسها، وستفكك بسهولة، لأن الحوار الذي يريده البرهان ليس حواراً لتسوية الخلافات، بل هو حوار لتصفية الكيانات السياسية والعسكرية التي تقف في طريقه. وهو ما يعرفه الإسلاميون جيداً، ويدفعون البرهان نحوه. محاولات البرهان هذه ستتصطدم برفض المجتمع الدولي. فبدلاً من منحه شرعية، ستزيد من عزلته وتعمق العقوبات عليه، لأن المجتمع الدولي لن يمنح أي شرعية لترتيبات تمت تحت وطأة حرب وبغياب الأطراف الأساسية.

#السودان

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.