الإخوان المسلمون يُمسكون بخيوط بورتسودان: مقاطعة برلين إملاءً لا قراراً سيادياً
متابعات: عين الحقيقة
رفضت حكومة بورتسودان المشاركة في مؤتمر برلين للسلام، غير أن هذا القرار لم يصدر من فراغ سياسي، ولم يكن تعبيراً عن رؤية مؤسسة عسكرية مستقلة، بل جاء في جوهره انعكاساً صارخاً لنفوذ الحركة الإسلامية السودانية ومدى إحكامها قبضتها على مفاصل القرار في هذه الحكومة. وهو ما يكشف، بصورة لا تقبل التأويل، أن الحركة التي أُقصيت رسمياً من السلطة عقب ثورة ديسمبر 2018 لم تغادر قط، بل أعادت تموضعها في العمق.
ومنذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، نجحت الحركة الإسلامية في اختراق هياكل حكومة بورتسودان وتوجيه بوصلتها السياسية، مستثمرةً شبكة كوادرها المتجذرة في الأجهزة الأمنية والمؤسسة العسكرية والجهاز الدبلوماسي، وهي شبكة لم تتفكك يوماً رغم كل موجات التطهير والإقصاء الرسمية التي أعقبت سقوط نظام البشير. وبهذه الأدوات تحديداً، تتحكم الحركة اليوم في مواقف الحكومة تجاه المبادرات الدولية، وتضع خطوطاً حمراء أمام أي تسوية تفاوضية قد تُفضي إلى ترتيبات لا تضمن عودتها إلى الحكم.
ومقاطعة برلين ليست استثناءً، بل هي حلقة في سلسلة مواقف متسقة تعكس إستراتيجية واحدة: إجهاض كل مسار للسلام لا تملك الحركة فيه ورقة تفاوضية. فمن مفاوضات جدة إلى مبادرات الاتحاد الأفريقي ومنبر الإيقاد، ظلت بورتسودان تتملص أو تشترط أو تقاطع، في توافق لافت مع ما تقتضيه مصلحة الحركة الإسلامية، لا ما تستوجبه ضرورات السلام أو معاناة الملايين من السودانيين.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر دلالة: فرغم أن دولاً عدة ومنظمات دولية صنّفت الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابية، وفرضت على قياداتها قيوداً وعقوبات، فإن هذه التصنيفات لم تمنع الحركة من ممارسة نفوذ فعلي على حكومة معترف بها دولياً وتتلقى دعماً سياسياً من عواصم كبرى. وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام تناقض صارخ: الاعتراف بحكومة بورتسودان شريكاً في مفاوضات السلام، في الوقت الذي تُدار فيه هذه الحكومة بأجندة حركة مصنّفة إرهابية في نظر بعض هذه الدول ذاتها.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.