السودان في مهب رياح العام الرابع (ثلاث ساعات.. أسبوع.. أسبوعين.. وسنوات، حين تتبخر الوعود ويتشظى الوطن)

تقرير ـ عين الحقيقة

مع اقتراب الذكرى الرابعة لاندلاع الصراع الدامي في السودان، يجد المشهد نفسه أمام تساؤلات وجودية تتجاوز حدود السيطرة الميدانية إلى مصير الدولة السودانية الموحدة. الحرب التي انطلقت في أبريل 2023 تحت شعارات “الحسم السريع” ووعود “الأسبوعين” للعودة إلى الديار، تحولت إلى ثقب أسود يبتلع مقدرات البلاد، وسط اتهامات متزايدة لتنظيم “الإخوان” (الحركة الإسلامية) بتأجيج الصراع لاستعادة نفوذهم السياسي الذي فقدوه في ثورة ديسمبر.
ويجمع مراقبون على أن الحرب لم تكن قدرًا محتومًا، بل نتيجة لانسداد الأفق السياسي بعد “الاتفاق الإطاري”. وتشير التقارير إلى أن قيادات النظام البائد تبنت خطابًا تصعيديًا وصل حد التهديد بـ”حرق السودان” حال استبعادهم من المشهد.
ويسترجع المحللون تصريحات الفريق أول ياسر العطا، مساعد القائد العام للجيش، الذي أعلن في الأيام الأولى أن المعركة ستنتهي خلال أيام، أسبوع أو أسبوعين، وهو ما يراه الخبراء “خديعة استراتيجية” استهدفت الحشد العاطفي وتغييب وعي المواطنين عن كلفة المواجهة الطويلة مع قوات الدعم السريع، التي كانت حتى وقت قريب حليفًا وشريكًا في قمع الحراك المدني.
ويرى الخبراء العسكريون أن دخول العام الرابع يكشف عن عمق تغلغل الإخوان في مفاصل القرار العسكري، حيث تم تحويل الجيش الوطني إلى مطية لتمرير أجندة حزبية.
وأدى إقحام مليشيات “المستنفرين” و”كتيبة البراء” الأيديولوجية إلى إضعاف تراتبية الجيش ومهنيته، كما أن الفشل في الحسم العسكري دفع ببعض الأطراف إلى اللجوء إلى الكرت القبلي، مما فجّر صراعات عرقية في دارفور وكردفان والجزيرة، مهددًا بتحويل السودان إلى صومال جديد.
ويقول الدكتور أحمد عبد الكريم، باحث في الشؤون الأفريقية:
“أكبر خطأ ارتكبته النخبة العسكرية المتحالفة مع الإسلاميين هو الاستهانة بقدرات الطرف الآخر، والاعتقاد بأن الدولة يمكن استعادتها بضربة خاطفة”.
وأضاف خبير عسكري:
“اليوم، السودان يدفع ثمن (أوهام العطا) التي تحولت إلى حرب استنزاف شاملة دمّرت البنية التحتية وفتّتت النسيج الاجتماعي”. من جانبه، يشير المحلل الاقتصادي مجدي الصادق إلى جانب الفساد، حيث ذكر: “الإخوان لا يقاتلون من أجل الدولة، بل من أجل إمبراطوريتهم الاقتصادية. استمرار الحرب لأربع سنوات سمح لشبكات الفساد المرتبطة بالنظام القديم بالسيطرة على تجارة الذهب والموارد الحيوية لتمويل عملياتهم، بينما يواجه ملايين السودانيين خطر المجاعة الحقيقية”.
أرقام كارثية في العام الرابع
أنتجت الحرب في السودان أرقامًا لم يسبق لها مثيل في تاريخ النزاعات الأفريقية الحديثة، حيث باتت البلاد تسجل اليوم أكبر أزمة نزوح واقتتال داخلي على مستوى العالم.
تشير التقديرات الميدانية والتقارير الدولية إلى أن عدد النازحين واللاجئين قد تجاوز حاجز 11 مليون نسمة، ما يعني أن ربع سكان السودان تقريبًا قد أُجبروا على مغادرة ديارهم تحت وطأة القصف والترهيب المليشياوي.
وعلى صعيد الأمن الغذائي، دخل السودان فعليًا في نفق المجاعة، حيث يواجه أكثر من 25 مليون شخص (نحو نصف السكان) حالة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود نحو 5 ملايين شخص على حافة المجاعة الكاملة في مناطق النزاع الملتهبة.
أما المنظومة الصحية، فقد تعرضت لضربة قاضية أدت إلى خروج أكثر من 80% من المستشفيات والمرافق الطبية عن الخدمة في ولايات الخرطوم ودارفور والجزيرة، مما جعل الموت بأمراض يمكن الوقاية منها، مثل الكوليرا والملاريا، يحصد أرواحًا تضاهي ما تحصده الرصاصات.
أما اقتصاديًا، فقد سجلت البلاد انهيارًا شاملًا، بنسبة انكماش تجاوزت 40%، بينما فقدت العملة المحلية قيمتها بشكل متسارع، مما أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية بنسب تفوق 500% في بعض المناطق، وهو ما يعكس حجم الفساد والفشل الإداري الذي واكب إدارة هذه الأزمة من قبل المتحكمين في المشهد العسكري والسياسي.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي شهادة حية على فشل وعود “الحسم السريع”، ونتيجة مباشرة لسياسة “الأرض المحروقة” التي انتهجتها القوى الساعية للعودة إلى الحكم فوق أنقاض الوطن.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.